بطاقة بلا مديرية… هل نحن أمام منشق يحمل أسرار دولة، أم أمام رجل يجيد صناعة الأسرار بعد أن فقد وظيفته؟

بطاقة بلا مديرية… هل نحن أمام منشق يحمل أسرار دولة، أم أمام رجل يجيد صناعة الأسرار بعد أن فقد وظيفته؟插图

مدريد، 8 سبتمبر 2026

هذا الصباح، خرجت صحيفة «ABC» إلى الأكشاك بعنوان عريض لا يترك مجالاً للمواربة: «الرقم الثاني في الاستخبارات المغربية أصاب هاتف سانشيز».

تحت العنوان، اسم المهدي حيجاوي، وصورة بطاقة مهنية، ووعد بأن الرجل يملك 2.6 غيغابايت سُحبت ذات يوم من هاتف رئيس الحكومة الإسبانية. الصحفية كيتي غارات، الموقعة على التحقيق، قالت في الليلة السابقة إنها تعرف أين هو، وإن الوثيقة التي بين يديها تسقط رواية الرباط كلها دفعة واحدة.

البطاقة نفسها بسيطة. خلفية بيضاء، شريط أخضر أحمر في الزاوية، شعار، صورة رجل أصلع اللحية ببدلة داكنة. الاسم باللاتينية: MEHDI HIJAOUY. الرتبة: Contrôleur Général. الصلاحية حتى 31 مارس 2014.

في الأسفل توقيع ياسين المنصوري. كل شيء يبدو في محله… إلا التفاصيل التي لا تغفرها الوثائق الرسمية.

الاسم الرسمي للجهاز هو «المديرية العامة للدراسات والمستندات». على البطاقة كُتب «الإدارة العامة». الفرق كلمة واحدة، لكنه الفرق بين وثيقة صادرة عن مؤسسة سيادية وبين ورقة أُعدت على عجل.

التاريخ أيضاً لا يستقيم: الرجل، بحسب السجلات المغربية المتداولة، غادر الجهاز نهائياً سنة 2010. أربع سنوات من الصلاحية بعد الفصل تحتاج تفسيراً لم يأتِ بعد.

من هنا تبدأ القصة ولا تنتهي.

في الرباط، الحيجاوي ليس «رقماً ثانياً». هو موظف مدني سابق طُرد قبل ستة عشر عاماً، ثم عاد ليبيع وهماً أكبر من المنصب الذي فقده. رجال أعمال يتحدثون عن مدينة إعلامية وهمية على ضفاف أبي رقراق، عن لقاءات في فنادق مع وجوه مقنعة تُقدَّم على أنها واجهات القصر، عن اعترافات دين مزورة ومبالغ اختفت. شكايات تراكمت حتى صدرت مذكرة بحث دولية في سبتمبر 2024. ابنه يزيد خرج بتسجيل صوتي وقال ما لا يُقال عادة داخل العائلات: الأب نصاب، ولم يكن كولونيلاً ولا مستشاراً لأحد.

في الضفة الأخرى، الرواية مختلفة تماماً. حيجاوي هرب سنة 2024 حاملاً ما يسميه أسراراً. مرّ بفرنسا ثم إسبانيا، ثم اختفى بعد أن فُتح ملف تسليمه. مجموعة «جبروت» نشرت في غشت قائمة بأكثر من سبعين ألف اسم قيل إنها لعناصر أمنية مغربية. «ABC» ربطت القائمة به.

ثم جاءت القفزة الأكبر: ليس فقط التسريب، بل بيغاسوس. الرجل، حسب مصادر «مقربة منه»، هو من أدار العملية التي أصابت هاتف بيدرو سانشيز وهواتف وزراء آخرين سنة 2021. وهو الآن مستعد أن يسلم المحتوى.

هكذا انقسمت الحكاية إلى حكايتين لا تلتقيان.

الأولى حكاية محتال محترف وجد في صفة «الاستخباراتي المنشق» سلّماً للهروب من قضاياه، ثم سلّم أوراقاً لصحيفة إسبانية في لحظة توتر بين مدريد والرباط: أزمة سبتة، اتهامات قديمة بالتجسس، علاقة متوترة لا تهدأ.

الثانية حكاية رجل كان في قلب الجهاز، صُفي حسابه داخلياً، فخرج حاملاً ما يكفي لإحراج دولة.

الوثيقة التي كان يُفترض أن تحسم الجدل زادته اشتعالاً. الأخطاء اللغوية والتناقض الزمني ليسا تفصيلين صغيرين في بطاقة استخباراتية. هما الثقب الذي تدخل منه كل الشكوك. ومع ذلك، العنوان صدر، والتحقيق نُشر، والصحفية ظهرت على الشاشات تقول إن النظام يحاول تصغير الرجل إلى نصاب عادي لأن الحقيقة أكبر من ذلك.

بين الرباط ومدريد، البطاقة تدور الآن أكثر مما يدور صاحبها. هو في مكان لا يُعلن عنه. هي على أغلفة الصحف. والرواية الوحيدة المؤكدة حتى هذه الساعة هي أن لا أحد يملك بعدُ دليلاً قاطعاً خارج دائرة الادعاء والنفي.

الغد قد يأتي بوثيقة أخرى، أو بشكاية جديدة، أو بصمت أطول.

أما اليوم، فقد خرجت «ABC» بطاقةٍ تقول أكثر مما تثبت، وتركت القارئ أمام السؤال نفسه الذي بدأت به الحكاية: هل نحن أمام منشق يحمل أسرار دولة، أم أمام رجل يجيد صناعة الأسرار بعد أن فقد وظيفته؟

بطاقة بلا مديرية… هل نحن أمام منشق يحمل أسرار دولة، أم أمام رجل يجيد صناعة الأسرار بعد أن فقد وظيفته؟插图1

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*