في الزاوية البودشيشية الكبرى بالمغرب: شهادة أرملة الشيخ تعيد إشعال صراع الخلافة المرير

وثيقة عدلية رسمية (تتوفر الجريدة على نسخة منها) من والدة الوريثين المتنافسين تتحدى النقل غير الرسمي للسلطة الروحية، وتكشف انقسامات عميقة بين التقاليد العائلية، والنفوذ الرسمي، والطموحات الحديثة داخل إحدى أكثر الطرق الصوفية تأثيراً في العالم الإسلامي.

ماداغ، 7 غشت 2026

بعد مرور ما يقرب من عام على وفاة الشيخ جمال الدين القادري بودشيش، الزعيم الهادئ للطريقة القادرية البودشيشية ذات النفوذ الواسع في المغرب، أعادت مذكرة عدلية هادئة مسجلة رسمياً إشعال أزمة الخلافة التي لم تُحسم بعد.

في 19 يونيو 2026، مثلت الشريفة فتيحة البعكوي، أرملة الشيخ، أمام عدلين محلفين في مدينة بركان شمال شرق المملكة. وفي «مذكرة حفظ» رسمية تحمل الرقم 109، مسجلة لدى قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية، شهدت تحت القسم أنها عاينت شخصياً زوجها وهو يكتب وصية تنقل «سر» الطريقة والإذن الكامل في التربية والتزكية الروحية إلى ابنهما الأكبر مولاي منير.

وأكدت أن هذا التعيين يتوافق مع وصايا سابقة من الشيخ حمزة والشيخ الحاج العباس، وأن أي ادعاء مخالف «باطل منعدم ولا أثر له».

الوثيقة، التي اطلعت عليها هذه الصحيفة، تمثل أول شهادة عينية موثقة قضائياً من الأرملة نفسها. ورغم أن وجود وصايا مكتوبة تعيّن منير كان معروفاً علناً منذ وفاة الشيخ جمال في 8 غشت 2025، فإن هذه الشهادة المفصلة والمؤداة تحت القسم والمسجلة رسمياً تأتي في وقت لا يزال فيه الانقسام حاداً داخل الطريقة، ويبدو أن السلطات الرسمية قد مالت نحو الأخ الأصغر مولاي معاد.

تُعد البودشيشية، ومقرها الرئيسي في بلدة ماداغ قرب الحدود الجزائرية، من أبرز الطرق الصوفية في المغرب، وتدّعي ملايين الأتباع داخل المملكة وفي أوروبا وأمريكا الشمالية. طالما اعتُبرت ركيزة من ركائز «الأمن الروحي» في المملكة تحت حكم الملك محمد السادس، وحظيت بعلاقات وثيقة مع القصر ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وكان ملتقاها العالمي للتصوف يستقطب علماء ودبلوماسيين من عشرات الدول. غير أن هذه المكانة اهتزت منذ اندلاع صراع الخلافة.

بعد دفن الشيخ جمال مباشرة، استند أنصار منير — الأكاديمي البالغ من العمر 53 عاماً والمتخرج من الجامعات الفرنسية، الذي أشرف طويلاً على التواصل الدولي للطريقة — إلى وصية جده الشيخ حمزة لعام 1990 وبيان والده لعام 2024. تولى منير المشيخة لفترة قصيرة. لكن سرعان ما انتشرت أنباء عن تنازله لصالح أخيه معاد، الذي كان يتولى الشؤون المالية الداخلية وفرقة السماع الشهيرة. نفى أنصار منير التنازل ووصفوه بالمفبرك أو المفروض تحت ضغط. أما أنصار معاد فقدموا أخاهم على أنه الأقرب إلى المريدين العاديين والأكثر تمسكاً بالتقاليد.

توالت بعد ذلك البيانات المتضاربة والرسائل العائلية والتصريحات العلنية. أرسلت الأرملة ومعظم أفراد العائلة — باستثناء معاد — رسالة إلى الملك في غشت 2025 تلتمس تزكية منير. واتهم أنصار منير وزارة الأوقاف، تحت إشراف الوزير أحمد التوفيق (وهو مريد قديم للطريقة)، بالانحياز إلى معاد.

سُلمت الهبات الملكية التقليدية خلال احتفالات المولد إلى معاد، واعترفت به السلطات المحلية في المناسبات الرسمية. في المقابل، تعرضت أنشطة منير الدولية، بما فيها ملتقى مسجل في فرنسا، لتدقيق واتهامات بالانخراط السياسي والعلاقات الخارجية المثيرة للجدل.

ينتقد خصوم منير، وبعضهم ينشر تقارير مفصلة في الإعلام المغربي، أسلوبه المنفتح وعلاقاته السياسية وشبكاته الخارجية، معتبرين أنها تهدد بطابع سياسي طريقة ظلت تقليدياً بعيدة عن الصراعات. أما المدافعون عنه فيرون في هذه الهجمات محاولة لتبرير إقصاء إداري لتعيين روحي واضح.

لا تحسم مذكرة يونيو 2026 المأزق. ففي التقليد الصوفي، يُفهم انتقال «السر» على أنه فعل روحاني لا قانوني بحت. لكن تحويل الادعاء العائلي إلى شهادة عدلية مسجلة يمنح معسكر منير دليلاً شكلياً ملموساً في وقت فقدت فيه الادعاءات غير الرسمية قوتها.

ننتظر رد وزارة الأوقاف على طلبنا هذا للتعليق. كما ندعو ممثلو الأخوين عن الإدلاء بتصريحات.

وفي ماداغ، لا يزال المريدون يجتمعون للذكر الأسبوعي، لكن الشكوك تخيّم على من يحمل فعلاً «السر» الذي يُقال إنه ينتقل من شيخ إلى آخر منذ قرون.

في بلد يُعد فيه التصوف جزءاً أساسياً من الهوية الدينية الرسمية، يتجاوز صراع الأخوين مجرد خلاف عائلي. إنه اختبار لقدرة الدولة على إدارة الحقل الروحي دون أن تُتهم بالتدخل، ولقدرة إحدى أعرق الطرق الصوفية على الحفاظ على وحدتها في مواجهة الحداثة والضغوط السياسية. وتظل مذكرة الأرملة، بهدوئها الرسمي، شاهداً جديداً على أن الجرح لم يندمل بعد.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*