بقلم: المصطفى العياش
صحفي وباحث في الشأن السياسي
في لحظة سياسية تتسم بتراجع الثقة وارتباك الخيارات، يعود عبد الهادي خيرات إلى واجهة المشهد بقرار واضح: خوض الانتخابات التشريعية لسنة 2026 باسم حزب التقدم والاشتراكية. ليست عودة عابرة ولا ترشيحاً تقنياً، بل خطوة سياسية محسوبة لرجل راكم تجربة نضالية طويلة، واعتاد أن يكون في قلب المعارك التنظيمية والفكرية لا على هامشها.
وفي زمن تتراجع فيه الجرأة السياسية وتصبح المواقف الواضحة نادرة، يظل عبد الهادي خيرات أحد القادة القلائل الذين يجمعون بين الخبرة النضالية الممتدة والحضور السياسي المؤثر. فهو ليس مجرد مرشح في سباق انتخابي، بل عنوان لمسار سياسي طويل ومسؤولية نضالية ثابتة، ما يزال قادراً على إحداث أثر حقيقي في المشهد الوطني.
يدخل عبد الهادي خيرات هذا الاستحقاق برصيد من الجرأة في الموقف، والخبرة في التدبير، والقدرة على تحويل التراكم السياسي إلى فعل انتخابي مؤثر. وفي سياق يطغى فيه الخطاب الشعبوي وتغيب فيه المرجعيات الواضحة، يقدّم نفسه كصوت سياسي صريح، يؤمن بأن الثقة تُبنى بالفعل لا بالشعار، وأن الشرعية تُنتزع بالمصداقية لا بالتحالفات الظرفية.


كاتب وطني للشبيبة الاتحادية
بعد اغتيال الشهيد عمر بنجلون سنة 1975، برز عبد الهادي خيرات ضمن الجيل الذي تحمّل مسؤولية الاستمرار في البناء التنظيمي، حيث تولّى مهام الكاتب الوطني للشبيبة الاتحادية في مرحلة دقيقة من تاريخ العمل الحزبي. وكان ضمن قيادة وطنية ضمّت أسماء وازنة، من بينها إدريس لشكر، وساهم في إعادة ترتيب البيت الداخلي وتأطير الطاقات الشبابية.
امتدت هذه التجربة إلى أواخر الثمانينيات تقريباً، وتميّزت بحيوية تنظيمية ونقاش فكري عميق حول موقع الشباب في المشروع الديمقراطي. وقد رسّخت تلك المرحلة صورة عبد الهادي خيرات كقيادي ميداني قريب من القواعد، قادر على الجمع بين الصرامة التنظيمية والانفتاح السياسي، ما جعله أحد الوجوه البارزة في دينامية الشبيبة آنذاك.
اعتقال 1981: لحظة اختبرت الموقف السياسي لعبد الهادي خيرات
في سنة 1981، كان عبد الهادي خيرات من بين قيادات المعارضة المغربية التي واجهت أقسى اختبار للنضال السياسي حين تم توقيفه إلى جانب زعماء الحزب الوطني الراحل عبد الرحيم بوعبيد ورفاقه، من بينهم محمد اليازغي، محمد الحبابي، محمد منصور، ومحمد حبيب الفركاني. جاءت هذه الاعتقالات في سياق موقف حزبي واضح حول قضية الصحراء المغربية، وهو موقف اعتُبر تحدياً للسلطة آنذاك.
خلال هذه الفترة الصعبة، أظهر خيرات مع زملائه ثباتاً ونضجاً سياسياً، واضعاً مبدأ الالتزام السياسي فوق المخاطر الشخصية. هذه المحنة رسخت مكانته كقيادي لا يخشى المواقف المستقلة، وتجربة صقلت قدراته على مواجهة الضغوط القانونية والتنظيمية، وأكسبته رصيداً نضالياً ثميناً يشكل خلفية قوية لمساره السياسي اللاحق، بما في ذلك ترشحه اليوم للانتخابات التشريعية باسم حزب التقدم والاشتراكية.
إدارة الجريدتين والصراع التنظيمي
أثناء تولّي عبد الهادي خيرات إدارة جريدتي الحزب “الاتحاد الاشتراكي” و“ليبراسيون”، كان هناك تنسيق واضح مع قيادة الحزب بقيادة محمد اليازغي. غير أن المرحلة اللاحقة، مع تولي إدريس لشكر منصب الكاتب الأول، عرفت توتراً حول استقلالية إدارة الجريدتين.
واعتبر عبد الهادي خيرات أن أي إعادة هيكلة يجب أن تحترم المساطر القانونية واستقلالية المؤسسة الصحفية. ولم يستسلم، بل لجأ إلى المساطر القانونية وأبلغ النيابة العامة بأن الجريدتين مسجلتان باسمه. بعد وساطات داخلية، تم التوصل إلى حل توافقي غادر بموجبه إدارة الجريدتين بشكل منظم، محافظاً على صورته المهنية ومصداقيته السياسية.
محطة قضائية بارزة
في سنة 2012، واجه عبد الهادي خيرات نزاعاً قضائياً مع هشام العلوي، ابن عم الملك محمد السادس، على خلفية تصريحات إعلامية، وانتهى الملف بتسوية رسمية واعتذار أمام المحكمة، في محطة عكست تعقيد المرحلة السياسية آنذاك.
سطات… القاعدة الانتخابية
ظل عبد الهادي خيرات مستقراً بمدينة سطات، مسقط رأسه وقاعدته السياسية، حيث انتُخب نائباً برلمانياً عن دائرة سطات التي تضم بن أحمد وأولاد عباس وسيدي عبد الرحمن. هذا الارتباط الميداني عزز حضوره المحلي ومنحه تجربة مباشرة في تدبير القضايا الترابية.

تناغم سياسي مع قيادة حزب التقدم والاشتراكية
مع حسم ترشيحه باسم حزب التقدم والاشتراكية لانتخابات 2026، برز تناغم سياسي واضح بين عبد الهادي خيرات وبين الأمين العام للحزب نبيل بن عبد الله. وتتسم العلاقة بين الطرفين بعدة عناصر أساسية:
- — تقارب فكري حول القيم الديمقراطية والاجتماعية.
- — تنسيق عملي في الاستعداد للاستحقاقات المقبلة.
- — ثقة متبادلة تعكس استعداد الحزب لدعم عبد الهادي خيرات وتعزيز حضوره في المشهدين المحلي والوطني.
ويمثل ترشيح عبد الهادي خيرات إضافة نوعية للحزب، بالنظر إلى تجربته ورصيده السياسي، كما يعكس قدرة التقدم والاشتراكية على استقطاب خبرات رصينة لتعزيز موقعه.
ذاكرة نضالية تتحول إلى مشروع للمستقبل
ولا يتوقف مسار عبد الهادي خيرات عند حدود الترشح أو المواقع التنظيمية، بل يمتد إلى الاشتغال على توثيق تجربته السياسية في عمل وثائقي مطول يتجاوز 40 حلقة، يستعرض فيه محطات مفصلية وكواليس تنظيمية وسياسية ظلت لسنوات بعيدة عن التداول العلني.
غير أن هذا المشروع لا يُقرأ فقط كتوثيق للماضي، بل كرسالة إلى المستقبل: رسالة مفادها أن السياسة مسؤولية تاريخية، وأن التجربة يجب أن تُنقل للأجيال لا أن تُختزل في الذاكرة الشخصية.
وبهذا المعنى، يقدّم عبد الهادي خيرات نفسه ليس فقط كمرشح لانتخابات 2026 باسم حزب التقدم والاشتراكية، بل كفاعل سياسي يسعى إلى إعادة الاعتبار للفكرة، وللقيم، وللعمل الحزبي الجاد.
قم بكتابة اول تعليق