قراءة سياسية في تقرير “العدالة والتنمية”: خطاب المعارضة بين موضوعية النقد ومأزق استعادة الموقع

يشكل التقرير السياسي لحزب العدالة والتنمية، المقدم أمام مجلسه الوطني في فبراير 2026، وثيقة تأسيسية لخطاب الحزب في مرحلة ما قبل الانتخابات التشريعية الحاسمة. إنها قراءة تركيبية لأداء حكومة عزيز أخنوش، بقلم حزب هام في المعارضة بعدما قاد الحكومة لولايتين.

تحمل الوثيقة في طياتها مزيجا من الرصد الموضوعي للاختلالات، والتوظيف السياسي للأزمات، واستشرافا لمستقبل الحزب في خريطة سياسية شديدة التعقيد.

لذا ارتأينا في هيئة تحرير الجريدة القيام بتمرين “القراءة السياسية” لتقرير العدالة والتنمية الذي قدمه السيد ادريس الأزمي امام المجلس الوطني للحزب، على الرغم من أن هذا النوع من التمارين اصبح في طور الانقراض في الصحافة المغربية المعاصرة (وهذا موضوع أخر).

يستند التقرير في انتقاداته إلى مجموعة من المؤشرات والأرقام التي تعكس بالفعل إشكاليات حقيقية عرفها المشهد المغربي خلال هذه الولاية. فالتقرير دقيق في تشخيص التعثر الذي عرفته بعض الورش الكبرى، حيث أن الإشارة إلى أرقام البطالة التي بلغت 13% عكس الوعود بخلق مليون منصب شغل، والتأخير في تنزيل أنظمة دعم الاستثمار، كلها نقاط تم تداولها في تقارير رسمية وشبه رسمية. كما أن التطرق إلى احتجاجات “جيل Z” يعكس وعيا من الحزب بتحولات الفعل الاحتجاجي في المغرب، حيث أن هذا الجيل شكل ظاهرة لافتة عكست ضعف التواصل الحكومي وتراكم الغضب الشعبي.

أما بخصوص ورش الحماية الاجتماعية، فإن الانتقاد الموجه لتنزيله يتقاطع مع تقارير المجلس الأعلى للحسابات التي سجلت ملاحظات بخصوص الوتيرة والمنهجية. الإشارة إلى إقصاء فئات واسعة من الدعم هي استهداف دقيق لنقطة ضعف الحكومة. ويظل ملف تضارب المصالح أحد أقوى بنود التقرير، حيث أن الاتهامات باستغلال النفوذ والريع، خاصة في قطاعات المحروقات وتحلية المياه، تضرب في صميم الانتقادات الموجهة لشخص رئيس الحكومة كرجل أعمال.

رغم قوته الاتهامية، يعاني التقرير من ثغرات وإشكاليات منهجية وسياسية. تبقى أكبر نقطة ضعف فيه هي عدم قدرته على تقديم “براءة ذمة” واضحة عن فترة تدبيره للحكومة بين 2012 و2021. فانتقاد الحكومة لعدم إصلاح نظام التقاعد أو مدونة الشغل ينسف حقيقة أن هذه الملفات كانت مطروحة بقوة خلال حكم الحزب نفسه ولم يشهد المغرب فيها تقدما حاسما. كما أن الدفاع عن “تحرير المقاصة” كقرار شجاع يتجاهل الأثر الاجتماعي الكبير لهذا القرار.

أما الحديث عن استعادة الموقع الطبيعي والمنافسة على المرتبة الأولى فيصطدم بالواقع السياسي، حيث تشير المعطيات إلى أن الحزب سيحسن موقعه الانتخابي، لكن عودته لقيادة الحكومة تبدو مستبعدة. كما أن الإشادة ببرنامج الدعم الاجتماعي المباشر وادعاء أن الفكرة كانت من ابتكار الحزب هو انتهازية سياسية واضحة، خاصة أن الحزب نفسه كان ينتقد بشدة طريقة تنزيل هذا البرنامج.

أكيد ان توقيت انعقاد المجلس الوطني، بعد إعلان عزيز أخنوش عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزبه، هو لحظة سياسية مواتية يحاول الحزب استغلالها لملء الفراغ الذي قد يخلفه غياب أخنوش عن الحملة الانتخابية. كما أن الإشارة إلى أن الحزب “دخل بخطاب عقلاني” لاحتواء احتجاجات “جيل زد” هي رسالة مزدوجة: للداخل الحزبي بأننا حزب مسؤول، وللمؤسسة الملكية بأننا ضامن للاستقرار.

الى ذلك، الحزب، ومن خلال وثيقته السياسية، يحاول أن يبيع نفسه كحل وسط بين “ثورية” الشارع و”جمود” الحكومة، وذلك بهدف استعادة قاعدته الانتخابية المحافظة والمتضررة من الغلاء من خلال التركيز على ملفات العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد.

خلاصة القول ان التقرير السياسي لحزب العدالة والتنمية وثيقة صادقة في رصدها لأعطاب تدبير حكومة أخنوش، لكنها مشبعة بمحاولة تبرير ماضي الحزب. نقاط القوة فيه تكمن في قدرته على ترجمة معاناة المواطن اليومية إلى لغة سياسية وأرقام دقيقة. أما نقاط ضعفه فتتمثل في عجزه عن تقديم نموذج بديل متكامل، وفي تناقضه مع إرثه الحكومي.

في انتخابات 2026، لن يكون السؤال: هل فشلت حكومة أخنوش؟ بل سيكون: من يمتلك المصداقية ليعد بتصحيح هذا الفشل؟ وهنا يكمن التحدي الأكبر لحزب “المصباح”.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*