الحدود والمصائر: ندوة فكرية وحقوقية بوجدة تُشرح واقع الهجرة وسياسات “الزمن الراكد”

وجدة – جيل 24

احتضنت مدينة وجدة ندوة فكرية وحقوقية تحت عنوان “واقع وسياسة الهجرة والحدود”، جمعت نخبة من الأساتذة والخبراء والنشطاء الحقوقيين لتسليط الضوء على المعضلات الإنسانية والسياسية التي تفرضها الحدود في المنطقة المغاربية. وقد أدار أطوار هذا اللقاء الصحفي عبد العالي الجابري، مدير الجريدة الإلكترونية “جيل 24”، الذي افتتح الندوة بطرح فلسفي عميق حول مفهوم الحدود.

فلسفة الحركة وأخلاق الضيافة

في مقدمته العامة، اعتبر عبد العالي الجابري أن الحدود ليست مجرد خطوط جغرافية، بل هي حدود رمزية تفصل بين الهويات والحق في الحياة. وأشار الجابري إلى ما أسماه “فينومينولوجيا الانتظار”، حيث تحول سياسات الحدود الوقت إلى أداة سلطة، مما يجعل المهاجر يعيش في “زمن راكد” وصدمة مستمرة. كما استعرض الجابري الجدل الأخلاقي بين “الضيافة المشروطة” بالقانون كما رآها إيمانويل كانط، و”الضيافة المطلقة” كواجب أخلاقي عند جاك دريدا.

الشباب المغربي: الهجرة كخلاص من اليأس

من جانبه، قدم الأستاذ جواد تلمسامي، الفاعل الحقوقي، تشريحاً صادماً لواقع الشباب المغربي استناداً إلى الأرقام الرسمية. وأوضح أن 37% من الشباب (بين 15 و24 سنة) يعيشون في وضعية “لا شغل، لا تعليم، لا تكوين”. وانتقد تلمسامي فشل السياسات العمومية مثل برنامجي “انطلاقة” و”فرصة”، اللذين انتهيا ببعض الشباب إلى المتابعات القضائية بدل الاندماج الاقتصادي. وأكد أن 63% من الشباب يفكرون في الهجرة بحثاً عن “الكرامة وحرية التعبير” بعد فقدان الثقة في المؤسسات.

عسكرة الحدود وتونس “بلد العبور”

انتقلت الكلمة إلى الأستاذة سناء الجنداني، الحقوقية التونسية، التي وصفت الوضع في تونس بالمتأزم نتيجة “عسكرة الحدود” بتمويل أوروبي. وتحدثت الجنداني عن انتهاكات جسيمة تشمل طرد المهاجرين إلى غابات الزيتون أو المناطق الحدودية مع ليبيا والجزائر، بالإضافة إلى تصاعد خطاب عنصري يغذي العنف ضد المهاجرين على أساس لون البشرة.

عنف الحدود واستهلال الهشاشة

في مداخلة لافتة، عرض الأستاذ صلاح الدين المعيزي، الصحفي والحقوقي، نتائج تحقيق حول استغلال المهاجرين. وكشف المعيزي عن قضية رجل دين (“أنطون”) استغل هشاشة المهاجرين القاصرين للقيام باعتداءات جنسية، مستفيداً من “منظومة الصمت” والافلات من العقاب. وحمل المعيزي المسؤولية للدولة المغربية والكنيسة لعدم توفير الحماية الكافية لهذه الفئات الهشة، محذراً من صعود “الفاشية” وخطاب الكراهية المستورد ضد الأجانب.

أصوات العائلات والمجتمع المدني

شهدت الندوة انتقالاً هاماً نحو شهادات الميدان، حيث قام يحيى طلوش بتنسيق مرحلة المداخلات والشهادات. ودعا الأستاذ محمد رحماني إلى تقديم كل الدعم للجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين، منتقداً السياسات “النيوليبرالية المدمرة” التي تقتل البشر أكثر مما تفعله الحدود نفسها.

واختتم اللقاء بشهادات مؤثرة؛ حيث سرد محمد بن سميرة، أب تونسي، معاناة عائلات المفقودين منذ عام 2011 وجريمة ترك مركب للمهاجرين يغرق أمام أعين الحرس الإيطالي. كما قدمت الكاتبة إيمان شهادة حول روايتها التي توثق “وجع الأمهات” وقصص مئات المفقودين الذين تلاشت أحلامهم في “قوارب الموت” أو خلف جدران السجون.

أجمعت الندوة في ختامها على ضرورة استعادة “منسوب الأمل والثقة” لدى الشباب، وتكثيف الجهود الحقوقية لمواجهة سياسات الترحيل والعنف الحدودي، دفاعاً عن الحق الكوني في التنقل والعيش الكريم.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*