أحمد صبار
يعيد النقاش المتجدد حول احتمال مغادرة عزيز أخنوش لقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار طرح سؤال أعمق من مجرد تغيير زعامة حزبية، إنه سؤال يتعلق بطبيعة النظام الحزبي المغربي، وحدود تطوره، وقدرته على الانتقال من منطق الأحزاب المرتبطة بالأشخاص إلى منطق التنظيمات السياسية المستقلة ذات الحياة الداخلية المستدامة.
ففي كل مرة يغادر فيها فاعل سياسي مركزي موقعه، يعود شبح سيناريوهين تاريخيين إلى الواجهة، أولهم سيناريو سنة 1976 مع تأسيس حزب التجمع الوطني للأحرار، والثاني سيناريو سنة 2009 مع ميلاد حزب الأصالة والمعاصرة، فكلاهما شكل لحظة إعادة ترتيب للمشهد الحزبي، لكن ضمن منطق واحد لم يخرج عن خلق حزب قوي من خارج التراكم الحزبي التقليدي، يستجيب لحاجات ظرفية أكثر مما ينبع من دينامية اجتماعية-سياسية طبيعية.
فبين سياق الأمس وتعقيدات اليوم، لا يمكن فهم تجربة 1976 خارج سياقها التاريخي المرتبط بإعادة بناء الدولة الوطنية بعد مرحلة الاستثناء، ولا تجربة 2009 خارج مناخ القلق من ضعف الوساطة الحزبية وصعود الإسلام السياسي، لكن إسقاط هذين النموذجين على المرحلة الراهنة يطرح إشكالا جوهريا، هل ما زال النظام السياسي في حاجة إلى أحزاب تؤسس لمعالجة اختلالات مرحلية، أم أن تلك الآلية نفسها أصبحت جزءاً من الأزمة؟
في رأيي وحسب تجربتي السياسية المتواضعة، فالمشهد الحزبي المغربي اليوم يعاني من أزمة مزدوجة، أزمة ثقة مجتمعية، وأزمة فعالية سياسية، لا ولن يتكرر ذلك أحد، وأي مبادرة لتأسيس حزب جديد، مهما كانت مبرراتها، وقد حاول بعضهم، ستقرأ فورا في هذا السياق، وستتهم—عن حق أو عن غير حق— بكونها مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل نفس النخبة.
منذ تولي عزيز أخنوش قيادته سنة 2016، عرف حزب التجمع الوطني للأحرار تحولات عميقة، تنظيميا وخطابيا وانتخابيا، فقد انتقل من حزب يوصف تقليديا بأنه إطار للأعيان إلى حزب يقود الحكومة، ويمتلك خطابا اجتماعيا، وآلة تنظيمية فعالة، وقدرة على الحشد والتواصل، وأقول بغض النظر.
غير أن هذا التحول تم بثمن سياسي واضح، لم ولن يخرج عن شخصنة التجربة، فقد تم اختزال الحزب، في الوعي العام، في شخص رئيسه، ما جعل قوة الحزب مرتبطة مباشرة بحضور أخنوش، ومصداقيته مرهونة بمساره السياسي والحكومي، وهنا تكمن المفارقة العجيبة، فالنجاح الانتخابي والتنظيمي الذي حققه الحزب قد يتحول إلى نقطة ضعف بنيوية إذا لم يتتم ترجمته إلى استقلال مؤسساتي حقيقي، وإلى تداول داخلي على القيادة.
وهنا يفرض السؤال نفسه، هل مغادرة أخنوش ستكون نهاية مرحلة أم اختبار للتماسك؟ ففي حال تأكدت مغادرة عزيز أخنوش، فإن الحزب سيجد نفسه أمام اختبار غير مسبوق في تاريخه، بكونه تنظيم قادر على إنتاج قياداته من داخله، أم مجرد وعاء سياسي تشكل حول زعيم قوي؟
وتجدر الاشارة هنا إلى أن الاختيار بين تأسيس حزب جديد أو تجديد الحزب القائم ليس تقنيا فقط، بل هو اختيار سياسي وأخلاقي، فالهروب إلى الأمام عبر خلق إطار جديد قد يبدو أسهل، لكنه يحمل في طياته اعترافا ضمنيا بفشل التجربة السابقة في بناء حزب مستدام، أما خيار الإصلاح الداخلي، فرغم صعوبته، فإنه يعكس درجة من النضج السياسي، ويعيد الاعتبار لفكرة الحزب كمؤسسة لا كأداة.
وحول سؤال، لماذا لم يعد تأسيس حزب جديد حلاً؟ نقول أن هناك جملة من المؤشرات تجعل خيار الحزب الجديد أقل إقناعا اليوم، بينها تآكل الشرعية الرمزية للأحزاب المنشأة من فوق، فالتجارب السابقة، رغم قوتها الأولية، لم تنجح في بناء علاقة عضوية طويلة الأمد مع المجتمع، بالإضافة إلى تحول الناخب إلى فاعل ناقد، إذ لم يعد الخطاب التعبوي وحده كافيا، بل أصبح الأداء والمصداقية معيارين حاسمين، ناهيك عن الرهان على الاستقرار، فالدولة نفسها تبدو اليوم أكثر اهتماما بتثبيت المشهد الحزبي بدل إعادة خلط أوراقه.
في هذا السياق، فإن تجديد حزب التجمع الوطني للأحرار من الداخل قد يشكل سابقة إيجابية، إذا ما تم فعلا، لا شكليا، عبر فتح المجال أمام قيادات جديدة، ومراجعة نمط اشتغال الحزب، وإعادة التفكير في علاقته بالمجتمع، لا بالاكتفاء بتغيير الوجوه كما يتم الترويج له عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعبر بعض الجرائد المحسوبة على فلان بدل علام.
في العمق، لا يتعلق النقاش بعزيز أخنوش وحده، ولا بحزب الحمامة فقط، بل بنموذج العمل الحزبي في المغرب ككل، فإما أن نستمر في منطق الأحزاب المرتبطة باللحظة والزعيم، أو نبدأ، ولو ببطء، في بناء تنظيمات سياسية تعيش بعد مؤسسيها.
والحال، فإن مغادرة عزيز أخنوش، إن تمت، قد تكون فرصة لإعادة الاعتبار لفكرة الحزب كمؤسسة سياسية مستقلة، أو قد تتحول إلى مجرد حلقة جديدة في مسلسل إعادة تدوير النخب، والفرق بين الاحتمالين لا يكمن في الأسماء، بل في الاختيارات، والسؤال الحقيقي الذي يجب طرحه اليوم ليس: هل سنؤسس حزبا جديدا؟ وبصيغة أخرى: هل نحن مستعدون أخيرا لأن نترك الأحزاب تعيش خارج ظل الزعماء؟
قم بكتابة اول تعليق