
تُعتبر صحيفتا لوماتان بالفرنسية والصحراء المغربية بالعربية من أبرز المنابر الإعلامية الوطنية في المغرب، وتقودهما اليوم رؤية واضحة بقيادة محمد الهيثمي، رئيس مجلس الإدارة والمدير العام التنفيذي منذ 2013. تحت قيادته، عززت المجموعة استقلاليتها التحريرية والتقنية، خاصة بعد استحواذها على مطبعة لاصونير، ما منحها القدرة على التحكم الكامل في الإنتاج الطباعي داخليًا.
يرتكز خط التحرير للمجموعتين بشكل أساسي على الأنشطة الملكية والحكومية، مع تغطية شاملة للأحداث الوطنية والدولية، ويعتمد أغلب محتواهما على وكالة المغرب العربي للأنباء (MAP) كمصدر رئيسي، ما يضمن المصداقية والدقة الصحفية. بفضل هذه الاستراتيجية، تمثل إصدارات مجموعة ماروك سوار مرجعًا أساسيًا في المشهد الإعلامي المغربي الحديث، مع التركيز على نقل الأخبار الوطنية الرسمية بدقة ومهنية، مع الحفاظ على قيادة قوية وواضحة على المستوى التحريري والإداري تحت الهيثمي.
من الاستقلال إلى التأميم: ميلاد «ماروك سوار»
قبل استقلال المغرب، كانت الساحة الإعلامية خاضعة بشكل شبه كلي للإدارة الاستعمارية الفرنسية، حيث صدرت صحف مثل Le Petit Marocain ومجموعة Mas Presse، التي كانت تعكس توجهات سلطات الحماية وتشتغل كأدوات للتأطير السياسي والإخباري وفق الرؤية الاستعمارية. هذا الواقع خلق فراغًا في تمثيل الصوت المغربي داخل الإعلام، وهو ما سيطرح لاحقًا تحدي بناء صحافة وطنية مستقلة.
مع نيل المغرب استقلاله سنة 1956, شرعت الدولة المغربية في مسار تدريجي لبناء إعلام وطني مستقل، يقطع مع هيمنة الرأسمال الأجنبي ويوجه الخطاب الإعلامي لخدمة السيادة الوطنية. وفي هذا السياق، تم اتخاذ قرار استراتيجي يقضي بتأميم المؤسسات الصحفية المملوكة لفرنسيين.
وشكلت سنة 1971 محطة مفصلية في تاريخ الصحافة المغربية، حيث قامت الدولة المغربية بإعادة هيكلة مجموعة Mas Presse وتحويلها إلى مجموعة وطنية مركزية تحت اسم «ماروك سوار» (Maroc Soir). ويُعد هذا التاريخ سنة التأسيس الفعلي للمجموعة بصيغتها المغربية، إذ انتقلت فيها من إدارة استعمارية إلى مؤسسة وطنية تعمل تحت إشراف الدولة المغربية بعد أن كانت الإدارة والتحرير بيد الاستعمار الفرنسي.
مولاي أحمد العلوي: مؤسس ورمز الصحافة الوطنية
قاد مولاي أحمد العلوي رحمه الله مرحلة تأسيس مجموعة ماروك سوار بعد تأميمها وتحويلها إلى مؤسسة وطنية عام 1971، وهو واحد من أبرز الشخصيات المغربية في النصف الثاني من القرن العشرين. لم يكن العلوي مجرد مؤسس لصحف مثل لوماتان والصحراء المغربية داخل المجموعة، بل كان سياسيًا وإعلاميًا بارزًا، وواحدًا من المقربين من المؤسسة الملكية، وخادمًا للتجربة الوطنية المغربية.
ولد في فاس عام 1919، وعاش فترة طويلة في فرنسا حيث انخرط في العمل من أجل الاستقلال ونقل رسائل الحركة الوطنية، ثم عاد إلى المغرب بعد الاستقلال حيث عُيّن من قبل الملك محمد الخامس في مناصب متعددة، مثل وزير السياحة والإعلام وأمين الدولة لسنوات طويلة تحت حكم الملك الحسن الثاني.
عرف مولاي أحكد العلوي رحمه الله بأنه سياسي ملتزم ووطنيّ ومناصر للملكية، وكانت له علاقة وثيقة بالملك الحسن الثاني، ما منحه اطلاعًا واسعًا في إدارة الشؤون العامة وترسيخ دور الإعلام المغربي في خدمة السيادة الوطنية. كما أشاد كثير من معاصريه بروحه الوطنية ومهنيته الصحفية، وُصِف بأنه رجل إعلام وممارسة سياسية في آن واحد، يجمع بين البصيرة والتحليل، مما جعله شخصية مؤثرة في رسم سياسات الإعلام الرسمية بعد الاستقلال.
بإسهاماته السياسية والإعلامية، ظلّ مولاي أحمد العلوي رحمه الله رمزًا من رموز الصحافة الوطنية المغربية، ورغم رحيله في ديسمبر 2002، لا يزال اسمه يتردد عند الحديث عن مراحل تأسيس وتطور المؤسسات الصحفية الوطنية.
المديرون العامون والتحولات
منذ التأميم سنة 1971، تعاقب على إدارة مجموعة ماروك سوار عدد من الشخصيات التي تركت بصماتها على مسار الصحافة المغربية. كل مدير عام قاد مرحلة مفصلية من تاريخ المجموعة، سواء من الناحية التحريرية أو التنظيمية أو التقنية:
— حركات بناصر – البداية بعد التأميم: أول مدير عام بعد تحويل Mas Presse إلى ماروك سوار، قاد مرحلة تأسيس البنية الوطنية للمجموعة، وركز على تحويل الإرث الاستعماري إلى صحافة وطنية. في عهده، كانت المجموعة تعتمد على مطابع خارجية، أبرزها مطبعة لاصونير التابعة لوزارة المالية.
— فاضل الإدريسي – الترسيم الإداري: ركز على تعزيز الهيكلة الإدارية والتحريرية، ووضع آليات للتنسيق بين مختلف الصحف، ما ساعد على استقرار المؤسسة بعد سنوات من الانتقال الوطني.
— عبد الحفيظ الرويسي – إحداث مطبعة خاصة: أشرف على إنشاء أول مطبعة باسم ماروك سوار، مع تحديثات تقنية مهمة في الطباعة والتوضيب، مما قلّل الاعتماد على الطباعة الخارجية وزاد من استقلالية المجموعة.
— هشام السنوسي – التحول الاستراتيجي: قاد مرحلة تحديث إداري ومالي شامل، وأشرف على نقل مقرات “لوماتان” و“الصحراء المغربية” إلى مقر عثمان بنجلون، ما رفع كفاءة العمل التحريري والإداري.
— محمد الجواهري – تعزيز الجودة: ركز على تطوير جودة التغطيات الصحفية وتأهيل الكفاءات الجديدة، إضافة إلى ضمان استدامة مالية للمجموعة.
«لاصونير»: ركيزة تقنية أساسية.
في المراحل الأولى، كانت المجموعة تعتمد على مطبعة “لاصونير”، وهي مطبعة مستقلة عن المجموعة ومملوكة في الأصل لوزارة المالية. لعبت “لاصونير” دورًا محوريًا في ضمان طباعة إصدارات المجموعة خلال سنوات التأسيس، قبل أن تصبح لاحقًا في ملكية المجموعة نفسها خلال عهد محمد الهيثمي، ما منح المؤسسة القدرة على التحكم الكامل في الإنتاج الطباعي داخليًا.
محمد الهيثمي: القيادة التنفيذية والاستقلالية التقنية
منذ سنة 2013, يشغل محمد الهيثمي منصب رئيس مجلس الإدارة والمدير العام التنفيذي لمجموعة ماروك سوار. تحت قيادته، تمكنت المجموعة من تعزيز استقلاليتها التحريرية والتقنية، خصوصًا بعد أن أصبحت مطبعة لاصونير في ملكية المجموعة نفسها، ما منحها القدرة على التحكم الكامل في الإنتاج الطباعي داخليًا.
يشرف محمد الهيثمي على استراتيجية التحرير اليومية لجميع الإصدارات، بما في ذلك لوماتان والصحراء المغربية وماروك سوار، ويحرص على ضمان الجودة والمصداقية في التغطيات الصحفية، مع التركيز على نقل الأخبار الوطنية الرسمية بدقة ومهنية. ويعتمد في قيادة هذه المنظومة على فريق متكامل يضم ما لا يقل عن 400 موظف من أطر إدارية وصحفيين وتقنيين، ما يعكس حجم المسؤولية التنظيمية والإدارية التي تتحملها المجموعة.
بفضل خبرته الطويلة ومعرفته بالبنية التقنية والإدارية للمجموعة، أصبح محمد الهيثمي أحد الركائز الأساسية التي تحافظ على مكانة ماروك سوار ضمن المشهد الإعلامي المغربي والدولي، مع الاستمرار في تطوير المؤسسة ومواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يعرفها قطاع الصحافة المكتوبة.
التحول إلى الاستثمار الخاص وتغير المالكين
مع نهاية التسعينيات، خرجت مجموعة ماروك سوار من التسيير العمومي إلى منطق الاستثمار الخاص، حيث انتقلت ملكيتها إلى رجل الأعمال المغربي عثمان بنجلون، في مرحلة اتسمت بإعادة تنظيم البنية المالية والإدارية، وتعزيز كفاءة التسيير. وفي مرحلة لاحقة، انتقلت ملكية المجموعة إلى رجل الأعمال السعودي عثمان العمير، الذي يُعد المالك الحالي للمجموعة، في سياق تحولات كبيرة يعرفها قطاع الصحافة المكتوبة على المستوى الاقتصادي والتكنولوجي.
استنتاجات وتحقيق خاص
يعكس مسار مجموعة ماروك سوار رحلة طويلة من إرث الصحافة الاستعمارية إلى مؤسسة وطنية متجددة، تحمل اليوم إرثًا إعلاميًا يواكب التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المغرب. من خلال هذا التحقيق، يتضح أن قوة المجموعة لا تكمن فقط في قيادتها التحريرية والإدارية، أو في استقلاليتها التقنية عبر مطبعة لاصونير، بل في المقدرة على الحفاظ على المصداقية الصحفية ومواكبة الأحداث الوطنية والدولية مع التمسك بخطها التحريري المرتبط بالأنشطة الملكية والحكومية.
إعداد وتحقيق خاص
المصطفى العياش
إعلامي بخبرة تزيد عن 28 سنة في مجموعة ماروك سوار، ومشارك في إصدار العدد الأول من جريدة “الصحراء المغربية”
لقد حرصت على متابعة هذا التحقيق عن كثب، كوني اشتغلت إعلاميًا داخل مجموعة ماروك سوار لمدة 28 سنة وساهمت في إصدار العدد الأول من جريدة الصحراء المغربية، ما منحني فرصة فريدة للاطلاع على كل تفاصيل هذه المؤسسة، من التأسيس إلى التحولات الإدارية والملكية وصولًا إلى قيادة محمد الهيثمي. هذا المقال يمثل شهادة شخصية ومهنية على تاريخ مؤسسة صحفية وطنية شكلت جزءًا مهمًا من المشهد الإعلامي المغربي، وأثبتت أن الإعلام الوطني، بقيادة كفاءات وطنية، قادر على الجمع بين الاستقلالية، المهنية، والتأثير في المجتمع.
قم بكتابة اول تعليق