ما شهدته النسخة التي نظمها المغرب لكأس إفريقيا للأمم، يمكن اعتباره حالة غير مسبوقة، في ميدان الدعاية والتضليل المرافقة للعبة كرة القدم، وهو ما يستدعي الدراسة والتحليل، لفهم الآليات التي استعملت في هذه الحرب، التي رافقت هذه المنافسة الرياضية، وهي الدعاية التي نظمت من قبل عدة أطراف، على رأسها الدولة الجزائرية، التي حشدت كل الوسائل لهذه المهمة القذرة. ولم يكن هذا سوى جزء في اللعبة التي لا يمكن أن نستغرب حدوثها.
فالدعاية ضرورية، في عالم اليوم، كما يقول الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي، جاك إيلول، في كتابه المخصص لهذا الموضوع، ليس لأنها مشروعة، ولكن لأنها واقع لا يمكن تفاديه. الدعاية الحقيقية الحديثة، حسب إيلول، هي دعاية تندرج ضمن الحركة العلمية الحالية، لأن من الشائع اعتبار الدعاية كمجموعة من “الحيل” و”الأساليب” والممارسات الأكثر أو الأقل جدية. وفي كثير من الأحيان، يرفض علماء النفس وعلماء الاجتماع الطابع العلمي لهذه الممارسة. “نحن نوافق تماما على حقيقة أن الدعاية هي تقنية وليست علما، ولكنها تقنية تمتلك بالضبط خصائص التقنية الحديثة، أي تلك التي تستند إلى علم أو علوم“، إذ تستند الدعاية الحديثة على التحليلات العلمية لعلم النفس وعلم الاجتماع، بناء على معرفة الكائن البشري، وميوله، ورغباته، واحتياجاته، وآلياته النفسية، وتلقائيته، وكذلك على علم النفس الاجتماعي وعلم النفس التحليلي.
ورغم أن الدعاية، رافقت البشرية، باستمرار، سواء في تدبير قضايا المجتمعات على الصعيد الداخلي، أو في صراعاتها الخارجية، إلا أن أساليبها ووسائلها تطورت بشكل كبير بسبب التقدم الحاصل في تقنيات الصحافة والإعلام، وتم استعمالها على نطاق واسع، من طرف الأنظمة لترويض شعوبها، ولصناعة مشاعر القبول والرضى، كما أصبحت مرادفا للحرب العسكرية، في كل المواجهات الديبلوماسية والسياسية والاقتصادية والمسلحة بين الدول. واستغلت الدعاية تقنيات الإشهار، مثل استعمال مصطلحات مغرية والتكرار ومخاطبة المشاعر البسيطة والنزوات واختلاق الرغبات، كما يحلل ذلك الباحث الفرنسي، جان ماري دوميناش، في كتابه الصادر تحت عنوان “الدعاية السياسية”.
يفكك الباحث في هذا الكتاب القواعد التي تعتمد عليها الدعاية، حيث تستعمل خطابا بسيطا، غير معقد، يركز على شخص أو على مجموعة، دون غيرها، وتلجأ إلى تضخيم الأمور وتشويه الحقائق، وإعادة نشرها وبثها بشكل متواصل، حتى يصبح الكذب حقيقة في وعي وخيال الجمهور. كما تستند هذه التقنيات على واقع ملموس لدى الناس الذين تتوجه إليهم، فهي لا تنطلق من فراغ، إذ توجه لديهم مشاعر الإحباط والحقد والكراهية، أو الشوفينية، أو استغلال أفكار مسبقة ومعتقدات خاطئة…
ومن قواعد الدعاية، الأساسية كذلك؛ الإجماع والعدوى، “فمنذ وجود علم الاجتماع، تم تسليط الضوء على ضغط المجموعة الذي يمارس على الرأي الفردي ومختلف أنواع المطابقة التي تولد في المجتمعات”، يقول دوميناش.
كل هذه القواعد والتقنيات، تستعمل اليوم، بشكل مضاعف بواسطة الخوارزميات، في إطار ممنهج ومنظم، أدى عمليا، إلى عسكرة رقمية، أصبحت معها أساليب الدعاية والتضليل أكثر قوة ونجاعة، في تكامل بين الشبكات الاجتماعية في التواصل ووسائل الإعلام الجديدة والتقليدية، وهي الأسلحة التي تم توجيهها ضد المغرب، في محاولة لإفساد التظاهرة الإفريقية، حيث لجأت هذه الحملات إلى تضليل الراي العام، بالطعن في مصداقية وجدية وشرف المنافسات، وتم شحن الجمهور وتعبئته لإثارة الشغب والفوضى والتخريب. وقد ركبت بعض المنتخبات هذه الموجة، لتبرير فشلها وهزيمتها.
وبكل خبث استغل المنتخب السينغالي هذا الوضع، لينطلق قبل المباراة النهائية، في حرب نفسية ضد المغرب، لتحضير الخطة التي رسمها منذ البداية، وهي التي نفذها، بعد احتساب ركلة الجزاء ضده، وقد نجح في مسعاه، حيث تمكن من التأثير القوي على نفسية اللاعبين المغاربة وعلى القرارات التي تتخذ داخل الملعب. لقد لجأ المنتخب السينغالي إلى عملية ابتزاز عالية الدقة، مهددا بنسف التظاهرة التي تطلبت من المغرب تضحيات كبيرة على مختلف المستويات المالية والبشرية والديبلوماسية، وهو ما كان يعلمه جيدا منتخب السينغال، الذي استل خنجر الانسحاب مهددا بتخريب كل شيء.
وما كان يمكن له أن ينجح في ذلك، لولا الدعاية الممنهجة التي نظمت ضد المغرب، ومن يعتقد أن أي خطوة ناجحة يمكن لبلدنا أن يخطوها في أي مجال، دون أن تواجه بهذا الشكل في إطار حروب الدعاية، فهو واهم، ولو يستوعب روح العصر، خاصة الرقمي، الذي لا فرق فيه بين السلاح الناري والافتراضي، فكما تحمى المنشآت الكبرى بالقواعد العسكرية، يجب أن تحمى المشاريع الكبرى بجيوش مدربة وذات كفاءة عالية، تعمل ضمن مؤسسات قوية وذات إشعاع واسع داخلي وخارجي، في تكامل بين التواصل الرقمي والإعلام الجديد والتقليدي.
قم بكتابة اول تعليق