ميزانية الدولة والعدالة المجالية: قراءة أفقية في مصاريف إقليم فجيج

فجيج – محمد طلحة

تمهيد عام
تقدم ميزانية الدولة، كل سنة، باعتبارها الأداة الأساسية لتحقيق التنمية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. وترافقها خطابات رسمية تؤكد على الإنصاف، والتوازن، والعدالة الترابية. غير أن هذه الخطابات، مهما بلغت قوتها، تظل بلا معنى إن لم تدعم بأرقام قابلة للقياس والمقارنة والمساءلة.
ينطلق هذا المقال من فرضية بسيطة: ميزانية الدولة، كما تقدم رسميا، لا تسمح بتقييم العدالة المجالية، لأنها تعرض في شكل قطاعي عمودي، يبرز القطاعات ويخفي المجالات. ومن هنا جاءت فكرة هذا العمل ومحاولة إعادة قراءة الميزانية من زاوية مجالية، عبر تفكيك ما يصرف فعليا داخل إقليم واحد.
وقد وقع اختيارنا على إقليم فجيج، باعتباره إقليما حدوديا، شاسع المساحة، وتكشف أرقام المندوبية السامية للتخطيط عن نسب هشاشة فقر مرتفعة فيه ، وهو متعدد الجماعات القروية، ويختزل في بنيته كثيرا من اختلالات التنمية الترابية بالمغرب.

المحور الأول: ميزانية المغرب لسنة 2025 أرقام كبرى، رؤية عمودية، وغياب العدالة الترابية

تعد ميزانية المغرب لسنة 2025 الوثيقة المالية الأهم التي تعكس اختيارات الدولة الاقتصادية والاجتماعية. وقد بلغت هذه الميزانية حوالي 494 مليار درهم من المداخيل دون الحديث عن الإنفاقات المضافة التي تخلق العجز منذ عشرين سنة ويفترض أن يترجم هذا الرقم الى تنمية حقيقية وإلى تعزيز الاستثمار العمومي، وتكريس الحماية الاجتماعية.
غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في حجم الميزانية، بل في طريقة بنائها وعرضها ،فالميزانية تقدم في شكل عمودي وهذا العرض يسمح بمعرفة حجم الاعتمادات المرصودة لكل قطاع، لكنه يخفي بالكامل التوزيع الترابي لهذه الاعتمادات. فنحن نعرف ميزانية كل وزارة، لكننا لا نعرف:

  • كم صرف في كل إقليم؟
  • معيار تقسيم الميزانية حسب كل إقليم؟
  • كيف تتجسد العدالة المجالية في الأرقام؟
    بهذا المعنى، فإن الميزانية تخبرنا كثيرا عن القطاعات، لكنها تكاد لا تقول شيئا عن المجالات. وهو غياب ليس تقنيا بريئا، بل يحمل دلالة سياسية واضحة لانه حينما لا تقاس العدالة الترابية، يسهل الادعاء بتحقيقها.
    ومن هنا تنطلق هذه الدراسة، التي تحاول الانتقال من الميزانية العمودية إلى قراءة أفقية، تعيد طرح السؤال: ماذا تنفق الدولة داخل إقليم بعينه؟

المحور الثاني: غياب المعطيات الرسمية حول كلفة الأجور اقليميا ومنهجية التقدير الإحصائي

يعتمد هذا العمل، في مرحلته الأولى، على مجموع المصاريف الرسمية والمعلنة داخل إقليم فجيج، كما تظهر في:

  • الصفقات العمومية
  • اعتمادات التسيير
  • الاستثمارات القطاعية
  • تحويلات المجالس المنتخبة
    غير أن هذا المجموع يبقى منقوصا جوهريا بسبب غياب معطيات إقليمية منشورة حول كلفة أجور الموظفين العموميين. فلا توجد أي وثيقة رسمية تحدد عدد الموظفين بالإقليم ،توزيعهم القطاعي أو كلفتهم المالية الحقيقية
    هذا الغياب لا يمكن تجاوزه بالصمت، لأن كلفة الأجور تشكل أحد أكبر مكونات الإنفاق العمومي.
    وحيث إن المعدل الوطني المعلن للموظفين العموميين هو 17,2 موظفا لكل ألف نسمة، ومع عدد سكان يبلغ 139.679 نسمة، فإن العدد التقريبي للموظفين العموميين بإقليم فجيج يصل إلى حوالي 2.401 موظف عمومي
    أما بخصوص الأجور، ودون الدخول في تفاصيل السلالم والمناصب والتعويضات، فقد تم اعتماد معدل أجر شهري قدره 10.600 درهم.
    وبالتالي، فإن الكلفة السنوية التقديرية لأجور الموظفين تبلغ
    حوالي 305 مليون درهم سنويا
    (2.401 × 10.600 × 12)
    هذه المقاربة لا تدعي الدقة المطلقة، لكنها أكثر نزاهة من إسقاط كلفة الأجور كليا، وهي ضرورة معرفية في ظل غياب المعطى الترابي الرسمي.

المحور الثالث: الرقم الإجمالي لمصاريف إقليم فجيج من العمودي إلى الأفقي

لأول مرة، يحاول هذا العمل تجميع مختلف أشكال الإنفاق العمومي داخل إقليم واحد في ما سميناه الشكل الأفقي للميزانية، أي الإجابة عن سؤال بسيط :
كم تنفق الدولة، بكل مستوياتها، داخل إقليم فجيج؟
وقد تطلب الوصول إلى هذه الأرقام:
تتبع وثائق متفرقة، جمع معطيات غير موحدة وربط أرقام لا يراد لها أن تقرأ معا.
وتتوزع المصاريف العمومية داخل الإقليم كما يلي:

  • مصاريف المجالس المنتخبة أكثر من 163 مليون درهم
  • مصاريف القطاعات الوزارية أكثر من 470 مليون درهم
  • كلفة أجور الموظفين حوالي 305 مليون درهم
    المجموع التقريبي هو أكثر من 938 مليون درهم سنويا ،رقم يقترب من مليار درهم، لكنه يكشف أن حضور الدولة داخل الإقليم هو حضور إداري وتسييري في المقام الأول، أكثر مما هو حضور تنموي يحدث تحولا هيكليا.

المحور الرابع: فجيج في ميزان المقارنة حتى بعد تضخيم الأرقام

إذا قسمت ميزانية الدولة لسنة 2025 (494 مليار درهم) نظريا على 75 إقليما وعمالة، فإن المعدل الحسابي للإنفاق العمومي يبلغ حوالي 6,6 مليارات درهم لكل إقليم سنويا مقابل هذا المعدل، لا تتجاوز مصاريف إقليم فجيج 938 مليون درهم.
وحتى نكون منصفين منهجيا، وبسبب اعتمادنا على تقديرات إحصائية، تم اعتماد فرضية متحفظة تقوم على رفع هذا الرقم بنسبة 20% كاملة، ليصل إلى:
حوالي1,15 مليار درهم سنويا
ورغم هذا التضخيم السخي، يظل الإقليم بعيدا بشكل صارخ عن منطق العدالة المجالية ويشكل أقل بكثير من خمس المعدل الذي هو 6,6مليار درهم للإقليم ، وبما أننا لا نعرف معيار التقسيم حسب الاقاليم نضيف معيار آخر وهو معدل الإنفاق على كل مواطن من الميزانية العامة الذي يصل الى 13413 درهم سنويا، وبالنسبة لإقليم فجيج سيكون 8233 درهم للمواطن أي أقل ب 40% من المعدل الوطني.
وإذا كانت مؤشرات أخرى هي المحدد في تقسيم الميزانية فمن حق المواطن الإطلاع عليها.
ويزداد هذا الاختلال وضوحا حين نأخذ بعين الاعتبار البنية الترابية للإقليم:
13 جماعة ترابية
جماعتان حضريتان فقط
11 جماعة قروية
عدد سكان: 139.679 نسمة
ومن هنا تبرز تسميتنا له ب (إقليم فجيج القروي) كتوصيف سياسي وتنموي، لا إداري فقط، لأن أغلبية الساكنة لا تزال تعيش بمنطق القرية، وتدار شؤونها بنفس المنطق.

المحور الخامس: خلاصات منهجية وقراءة علمية في الأرقام

من خلال الأرقام، وبمنهج هادئ، نصل إلى خلاصات واضحة:

  • نحن بعيدون كل البعد عن العدالة المجالية.
  • إقليم حدودي لا يستفيد من أي تمييز إيجابي حقيقي.
  • الإقليم غير مؤهل تنمويا، ويدار بمنطق الحد الأدنى من التسيير الإداري.
  • يستمر التعامل مع إقليم فجيج كمجال قروي دائم، دون أي محاولة لتغيير هيكلي، رغم التعبير المتكرر للساكنة عن رغبتها في التغيير.
  • تظهر الأرقام أن المجالس المنتخبة لا تملك قرار التغيير، لأن القطاعات الوزارية تستحوذ على الحصة الأكبر من الإنفاق.
  • السياسة الجهوية ناجحة نسبيا لأن الإدارات الجهوية تنفق الحصة الأكبر ومجلس الجهة أنفق أكثر من ضعف مجموع المجالس المحلية بالإقليم
    وهو أمر إيجابي لمسار الجهوية المتقدمة، لكنه سلبي محليا
  • السياسة المائية تمثل النقطة المضيئة الوحيدة:
    استثمارات ضخمة في السدود
    مجهود كبير لتوفير الماء الصالح للشرب رغم ضعف التنسيق(حيث يتدخل الجميع قطاعات ومجالس لحل المشكل لكنه لازال قائما لأنها مشاريع مبعثرة )، لكن هناك اهتمام حقيقي

ونقترح الربط الطرقي من بوعرفة غربا نحو وسط المغرب عبر تالسينت ، بطريق ذات معايير جيدة، يشكل المدخل الأول لرفع الحيف عن الإقليم، وفك عزلته، وإعادة إدماجه في الدورة الاقتصادية الوطنية.

خلاصة نهائية
إقليم فجيج القروي لا يعاني من فقر في الموارد، بل من فقر في الاختيارات الاستراتيجية.
الأرقام لا تكذب، لكنها تكشف وحين تقرأ الميزانية بعيون مجالية يتحول المال العام من رقم محايد إلى أداة مساءلة سياسية.

وهنا، تنتهي لغة الأرقام
وتبدأ مسؤولية القرار.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*