إزاحة أخنوش من قيادة “الأحرار”: حين تقرر الأحزاب التخلص من أثقالها

المصطفى العياش

لم يخرج عزيز أخنوش من قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار لأنه احترم القوانين، ولا لأنه اختار طواعية إفساح المجال ٨للجيل الجديد، بل لأنه أصبح عبئًا سياسيًا ثقيلًا على حزبٍ اعتاد حساب الربح والخسارة قبل أي اعتبار آخر.

في السياسة، لا يُكافَأ الزعماء على النوايا، بل يُقاسون بالكلفة. وأخنوش، رغم كل ما يملكه من نفوذ وامتدادات، تجاوز النقطة التي يصبح فيها الزعيم أصلًا سياسيًا، ليدخل منطقة الخطر: منطقة الاستنزاف.

حين يتحول الزعيم إلى “واجهة غضب”

اسم أخنوش لم يعد يُستعمل للدلالة على حزب أو حكومة، بل صار اختزالًا للأزمة… كل شيء يُنسب إليه، حتى ما لا يتحمل مسؤوليته المباشرة، لأن السياسة لا تعترف بالتفاصيل عندما تغضب الشعوب.

بالنسبة للتجمع الوطني للأحرار، استمرار أخنوش على رأس الحزب يعني أمرًا واحدًا:
الدخول إلى أي استحقاق مقبل واسم الحزب مرفق تلقائيًا بالغضب والسخرية والرفض.

الانتصار الانتخابي الذي انقلب إلى لعنة

فوز 2021، الذي قُدِّم كأكبر إنجاز في تاريخ الحزب، انقلب مع الزمن إلى لعنة سياسية.
فالحزب الذي وعد بـ“الدولة الاجتماعية” وجد نفسه يقود مرحلة غلاء غير مسبوق، فجوة اجتماعية متسعة، وصمت حكومي مربك.

وهنا وقع الانفصال:
— الخطاب بقي ورديًا، والواقع ازداد قتامة.
— الديمقراطية الداخلية… ستار الانسحاب الإجباري
— الحديث عن ولايتين واحترام النظام الداخلي ليس سوى صيغة مهذبة لقرار حُسم في العمق.

لو كان أخنوش عنصر توحيد وقوة، لما تردد الحزب في إيجاد مخرج قانوني لتمديد ولايته.
لكن الحقيقة أن لا أحد داخل الحزب كان مستعدًا لتحمل
تبعات بقائه.

التجمع لم يتخلَّ عن أخنوش لأنه فشل تنظيميًا، بل لأنه نجح في أن يُحمِّل الحزب كل أوزار الحكومة.

من رجل دولة إلى مشكلة سياسية

أخطر ما وقع لأخنوش هو هذا التحول الصامت في موقعه داخل المعادلة:
من رجل ضروري لاستقرار الحزب إلى مشكلة يجب تحييدها.
وهذا التحول لا يحدث فجأة، بل عندما:
تتآكل الثقة الشعبية
تتقلص القدرة على الدفاع السياسي
يصبح الصمت الحكومي أغلى من الكلام

قرار بارد… بعقلية شركات

قرار التخلي عنه لم يُتخذ بعاطفة، بل بعقلية حسابية صارمة:
— ما الذي سنربحه ببقائه؟
— ما الذي سنخسره؟
وحين تكون الخسارة مؤكدة، فإن أقوى الأحزاب تضحي بأقوى رجالها دون تردد.

ضريبة الصعود وضريبة الهبوط

— لم يُزَح أخنوش لأنه ضعيف، بل لأنه أصبح قويًا بطريقة خاطئة.

— قوي في السلطة، ضعيف في الشارع.

— قوي في القرار، ضعيف في الإقناع.

— قوي في التحكم، ضعيف في الرمزية.

في السياسة، الرمزية أهم من السلطة

رحيل عزيز أخنوش عن قيادة التجمع الوطني للأحرار ليس مجرد تغيير قيادي داخل حزب حاكم، بل زلزال يضرب حسابات المعارضة وأحزابًا اعتادت ربط كل استنزاف حكومي بشخصه.
خلال السنوات الأخيرة، كانت المعارضة تراهن على سخرية الشارع والغضب الشعبي تجاه أخنوش كأساس لاستراتيجياتها الانتخابية والسياسية، معتبرة أن استمرار اسمه في الواجهة يضمن لهم ورقة ضغط رمزية ووسيلة سهلة لتسييل أي أزمة حكومية إلى مكاسب سياسية مباشرة.
اليوم، مع رحيل أخنوش، يجد هؤلاء خصومهم أمام واجهة جديدة، أقل وضوحًا وأكثر مرونة: أوجار، العلمي، أو فتاح العلوي يمثلون قيادة أقل استنزافًا وذات قدرة على إعادة رسم الخطاب السياسي وتخفيف الحدة الرمزية المرتبطة بالرفض الشعبي.

الخصوم السياسيون الذين اعتادوا تصوير أخنوش كرمز أزمة سيجدون أنفسهم مضطرين لإعادة تقييم مواقعهم، لأن ورقة الاستهداف الرمزي التي كانت سهلة الاستخدام أصبحت معقدة ومكلفة.

أما الأحزاب التي صنفت كـ”غير مرغوب فيها” أو تيارات هامشية تعتمد على تحريك الاحتجاج الشعبي ضد التجمع، فهي اليوم محاصرة سياسيًا. فقد كانت قوة هذه التيارات مرتبطة جزئيًا بـ”استنزاف أخنوش” وارتباط صورته بالشلل الرمزي في الشارع. مع رحيله، يختفي جزء كبير من هذا الزخم الرمزي، مما يجعل هذه الأحزاب أمام خيارين:

إعادة ابتكار خطابها السياسي وفق معطيات جديدة، أو التراجع إلى هامش المشهد بلا تأثير حقيقي

هذه الحسابات ليست نظرية، بل واقع ملموس في الشارع المغربي والدوائر الانتخابية. المدن الكبرى، الأحياء الشبابية، والمناطق ذات الاحتجاجات المتكررة، لم تعد ترى في اسم أخنوش محورًا للرفض، ما يضع المعارضة التقليدية والتيارات غير المرغوب فيها في مأزق استراتيجي حقيقي.

باختصار، إزاحة أخنوش تعني أن المعارضة وأحزابها الهامشية فقدت الرصيد الرمزي الذي كانت تراهن عليه منذ سنوات. المرحلة المقبلة ستفرض عليهم حسابات دقيقة، استراتيجيات أكثر تعقيدًا، وربما تغييرات جذرية في القيادة والتواصل السياسي، وإلا فإنهم سيجدون أنفسهم خارج اللعبة قبل أن تبدأ الانتخابات فعليًا.

سباق الخلافة: من الأسماء المتداولة للقيادة الجديدة

مع فتح باب الترشيح لخلافة عزيز أخنوش في المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار المقرر في 7 فبراير 2026، بدأ نقاش داخلي واسع حول من سيقود الحزب في مرحلة مفصلية قبل انتخابات سبتمبر 2026.
وهما على التوالي:
— محمد أوجار
— مولاي حفيظ العلمي
— نادية فتاح العلوي
— منصف بلخياط
— رشيد طَلْبي العلمي
— محمد أيت الجيد
— محسن جزولي
— نادية الرملي

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*