محمد أوجار… خيار الاستمرارية الهادئة لحزب تصدّر الانتخابات ويستعد لاختبار 2026

بقلم: المصطفى العياش

لا يمكن النقاش حول مستقبل قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار في مرحلة ما بعد عزيز أخنوش دون استحضار معطى مركزي: الحزب تصدّر الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، ويتحمل اليوم مسؤولية قيادة الحكومة في سياق سياسي واجتماعي واقتصادي معقد، ومع اقتراب موعد انتخابات أواسط سنة 2026، التي ستشكل محطة مفصلية في مسار الأغلبية الحالية وفي مستقبل التوازنات الحزبية بالمغرب. السبب المباشر لهذا النقاش يعود إلى أن عزيز أخنوش قرر عدم الترشح لولاية ثالثة، ما فتح الباب أمام خيارات القيادة الجديدة، وأعاد التركيز على الأسماء التي تملك الشرعية التنظيمية والخبرة السياسية لإدارة الحزب في المرحلة المقبلة.

هذا النقاش أصبح أكثر حدة في ظل الاحتقان الشعبي الناتج عن غلاء المعيشة، خاصة ارتفاع أسعار المواد الأساسية، وهو عامل اجتماعي يزيد من حساسية المشهد السياسي ويضع رهانات القيادة المقبلة للحزب في اختبار مباشر مع المواطنين.

محمد أوجار: الرجل الذي يجمع بين الإعلام والسياسة والدبلوماسية

ازداد محمد أوجار، سنة 1959 بمدينة وجدة، سياسي مغربي وعضو قيادي بارز بالمكتب التنفيذي لحزب التجمع الوطني للأحرار، راكم مساراً متعدد الأبعاد جمع بين العمل الإعلامي، والمسؤوليات الحكومية، والمهام الدبلوماسية والمؤسساتية.

تقلد عدة مناصب حكومية ودبلوماسية، من بينها: وزير حقوق الإنسان في حكومتي عبد الرحمن اليوسفي (1998–2002) وإدريس جطو (2002–2007)، وزير العدل في حكومة سعد الدين العثماني (2017–2021)، المندوب الدائم للمملكة المغربية لدى مكتب الأمم المتحدة بجنيف، عضو المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، رئيس مركز الشروق للديمقراطية وحقوق الإنسان، ومؤسس ومدير منشورات الشروق.

كما شارك في عدد من اللجان الدولية لمراقبة الانتخابات، خاصة بالقارة الإفريقية، ما جعله من الأسماء المرجعية في قضايا حقوق الإنسان والحكامة والانتقال الديمقراطي.

من إدارة جريدة «الميثاق الوطني» إلى قلب القرار الحزبي

بعيداً عن الأضواء الحكومية، تشكّلت الشرعية التنظيمية لمحمد أوجار داخل الحزب من خلال مسار داخلي طويل، كان للإعلام الحزبي فيه دور تأسيسي. فقد ارتبط اسمه بشكل وثيق بجريدة «الميثاق الوطني»، الجريدة التي واكبت نشأة الحزب ولعبت دوراً محورياً في تأطير خطابه السياسي.

فقد تأسست جريدة «الميثاق الوطني» سنة 1978، تزامناً مع تأسيس حزب التجمع الوطني للأحرار على يد أحمد عصمان، الوزير الأول الأسبق (1972–1979).

فقد شكّلت جريدة الميثاق ألوطني آنذاك، أداة مركزية للتواصل الحزبي وبناء الهوية السياسية للتجمع.

في هذا السياق، تولّى محمد أوجار إدارة جريدة الميثاق الوطني في مرحلة مبكرة من مسارها، وكان من بين الأسماء التي أشرفت على ضبط خطها التحريري، وكتابة افتتاحياتها، وصياغة رسائلها السياسية، في لحظة كان فيها الإعلام الحزبي جزءاً من البناء التنظيمي والسياسي للأحزاب.

شاهد من الداخل: تجربة المصطفى العياش مع محمد أوجار

وخلال هذه المرحلة، اشتغلتُ أنا، عبد ربه المصطفى العياش، إطاراً مهنياً بجريدة «الميثاق الوطني» لمدة سنتين، متنقلاً بين الدار البيضاء والرباط، وهو ما أتاح لي متابعة العمل اليومي للجريدة عن قرب، ومعايشة الدور المحوري الذي كان يضطلع به محمد أوجار في تدبير شؤونها.
لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الإداري، بل كان منخرطاً بشكل مباشر في ضبط التوجه العام، وصياغة الرسائل السياسية، ومواكبة الملفات الوطنية الساخنة، بما يعكس فهماً عميقاً للعلاقة المركبة بين الإعلام والتنظيم الحزبي.

هذه التجربة الإعلامية شكّلت محطة تأسيسية في مسار محمد أوجار، ومنحت معرفة دقيقة ببنية الحزب، وآليات اشتغاله، وتوازناته الداخلية، وهي عناصر سترافقه لاحقاً في مختلف المسؤوليات الحكومية والدبلوماسية التي تقلدها.

هل يعيد محمد أوجار إحياء إعلام حزب التجمع الوطني للأحرار؟

مع تصاعد الحديث عن أدوار محمد أوجار داخل الحزب، يطرح سؤال مشروع: هل يمكن أن يشهد الحزب، في حال توليه القيادة، إحياء أدوات الإعلام الحزبي التاريخية، مثل جريدة «الميثاق الوطني» وجريدة «المغرب» بالفرنسية؟

هذا الطرح لا يرتبط بالحنين إلى الماضي، بقدر ما يلامس سؤال تحديث أدوات التواصل الحزبي في زمن الإعلام الرقمي وتغير أنماط التأثير السياسي. نجاح محمد أوجار في قيادة الحزب قد يفتح نقاشاً داخلياً حول تطوير منصات إعلامية جديدة بروح حديثة، تستفيد من الإرث دون أن تبقى رهينة له.

بين إرث أخنوش ورهان أوجار: قيادة الحزب أمام اختبار 2026

ومع اقتراب المؤتمر الاستثنائي للحزب، المقرّر عقده يوم 7 فبراير 2026 في مركز المعارض بمدينة الجديدة، واستعداد الحزب لخوض انتخابات أواسط السنة نفسها، دخل الحزب مرحلة رسمية من تلقي الترشيحات لرئاسة هياكله التنظيمية.
وقد فتح الحزب، ابتداءً من 12 يناير 2026، باب الترشيحات وفق قواعد مؤسساتية واضحة، وتم تمديد أجل قبول الترشحات إلى 28 يناير 2026 الساعة 12:30 زوالاً بالإدارة المركزية للحزب بالرباط. هذه الخطوة تؤشر على رغبة الحزب في تنظيم تنافس داخلي منضبط يُحترم فيه النظام الأساسي ويلتزم بمواعيد محددة.

في هذا الإطار، يبرز اسم محمد أوجار كخيار يعكس التوازن بين الاستمرارية والتجديد، بحكم خبرته السياسية، ومساره الحكومي والدبلوماسية، وشرعيته التنظيمية المتجذرة داخل الحزب. وهو ما يجعل الرهان عليه أكثر من مجرد اختيار مرحلي، بل استثماراً استراتيجياً في استقرار الحزب وقدرته على تدبير مرحلة دقيقة، سياسياً وانتخابياً واجتماعياً.
وبين إرث عزيز أخنوش، الذي قاد الحزب إلى صدارة المشهد الانتخابي، ورهان محمد أوجار، الذي راكم تجربة هادئة وعميقة داخل الدولة والحزب، يجد التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام اختبار حقيقي: اختيار قيادة تفهم منطق الدولة، وتُجيد في الآن نفسه إدارة التنظيم من الداخل، استعداداً لاستحقاقات 2026 وما بعدها.

المصطفى العياش: إعلامي، اشتغل بجريدة «الميثاق الوطني» خلال مرحلة إدارة محمد أوجار

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*