مفارقات القوة والنفوذ: كيف تروي الصين سردية التعددية وسط عالم متوتر

(تحليل لمواقف الصين في ضوء أخبار وتصريحات رسمية، 09 يناير 2026)

مقدمة:
بينما تتصاعد الأزمات الجيوسياسية في نقاط ساخنة مثل غزة، وتتوتر العلاقات في شرق آسيا، تقدم الصين نفسها كقوة كبرى مسؤولة وصانعة استقرار ومنادية بحوكمة عالمية متعددة الأقطاب. تظهر البيانات الرسمية الصينية المنشورة في 9 يناير 2026، والمتضمنة مؤتمرات صحفية لوزارتي الخارجية والدفاع ونشاطات دبلوماسية مختلفة، صورةً مكثفة لاستراتيجيتها الخارجية المزدوجة: تعزيز الحوكمة العالمية البديلة وتأمين مصالحها الوطنية دون مواجهات مباشرة.

1. الذراع الناعم: “التبادل الشعبي” وحوكمة الجنوب العالمي

يظهر التوجه الاستراتيجي جلياً في الاحتفاء بإطلاق “عام التبادل الشعبي الصيني الأفريقي 2026” بمقر الاتحاد الأفريقي. وفقاً للتغطية الرسمية، يهدف المشروع إلى تنظيم قرابة 600 نشاط لتعزيز “التعلم المتبادل بين الحضارتين”. هذا ليس مجرد نشاط ثقافي، بل هو حجر أساس في بناء “مجتمع مصير مشترك صيني أفريقي”، وهو مفهوم يرتكز على ركيزتين:

  • التضامن السياسي: إعادة تأكيد الاتحاد الأفريقي لدعمه “الراسخ” لمبدأ الصين الواحدة.
  • تأسيس نموذج حوكمة: توجيه اتهامات لـ”قانون الغاب” و”سياسة القوة” التي تمارسها قوى غربية، مقابل تقديم نموذج بديل يقوم على “النزاهة والعدالة” ودفع “تعددية الأقطاب”.

2. التدخل الدبلوماسي: خطاب معتدل في ملف الشرق الأوسط

في ملف الصراع العربي-الإسرائيلي، يظهر الخطاب الصيني متوازناً وحريصاً على عدم انحياز كامل. فبينما أدانت المتحدثة باسم الخارجية ماو نينغ “الغارة الجوية المفاجئة” الإسرائيلية في غزة، وطالبت “خاصة إسرائيل” بـ”ضبط النفس”، سارع المبعوث الخاص جاي جوين إلى زيارة كل من فلسطين وإسرائيل. وبينما وعد الفلسطينيين بدعم “القضية العادلة” ودعا إلى “حل الدولتين”، أكد لإسرائيل استعداد بلاده “للعمل مع إسرائيل للحفاظ على التبادل والتعاون المتبادل المنفعة”. هذه المساواة الظاهرية في التعاطي تخدم هدفاً أكبر: ترسيخ مكانة الصين كطرف “عادل” و”وسيط مفيد” في المنطقة، وهو ما تعززه مبادرات الشركات الصينية في دول مثل مصر والسعودية والإمارات التي تتبنى إستراتيجية الاندماج الثقافي.

3. الحزم في الجبهة الآسيوية: خطاب السيادة والردع

تظهر لغة أكثر حزماً ووضوحاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والتي تعتبرها الصين مجالاً حيوياً لها. تبرز عدة نقاط ساخنة:

  • تايوان: كان الرد على تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب واضحاً وصارماً، حيث أكدت ماو نينغ مجدداً أن “تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية” وأن القضية “شأن داخلي صيني بحت”، مما يغلق الباب أمام أي تأويل لوجود هامش للمناورة.
  • بحر الصين الجنوبي: قدم المتحدث العسكري جانغ شياو قانغ سردية صينية لحادثة إنقاذ صيادين فلبينيين، واتهم “بعض الناس في الفلبين” بـ”النفاق” واستخدام الصيادين “كأدوات” سياسية.
  • المواجهة مع اليابان: كان الخطاب تجاه اليابان هو الأكثر عدائية. وصف بيان وزارة الدفاع التحركات اليابانية بأنها تكشف عن “نوايا خبيثة”، واتهم طوكيو بالسعي إلى “إحياء النزعة العسكرية”. كما تم تسجيل رقم قياسي جديد لوجود سفن خفر السواحل الصيني حول جزر دياويو المتنازع عليها (356 يوماً في 2025)، كرسالة عملية على الثبات.

4. الاقتصاد: قاعدة القوة وساحة التنافس الخلفية

تُظهر المقارنة الاقتصادية المرفقة في النص إدراكاً عميقاً لطبيعة التنافس مع الولايات المتحدة. بينما تعترف المقارنة بتفوق الاقتصاد الأمريكي من حيث الناتج للفرد والريادة التكنولوجية، تؤكد على تفوق الصين في معدل النمو (5% مقابل 2.8% متوقع في 2024) وحجمها كأكبر اقتصاد حسب تعادل القوة الشرائية. هذا المسار التنموي هو الذي يمول القدرات العسكرية الحديثة والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية العالمية عبر مبادرة الحزام والطريق، ويوفر الأساس المادي للطموحات الجيوسياسية.

خاتمة: سردية القوة المسؤولة في مواجهة عالم غير منظم

تقدم الصين، من خلال خطابها الرسمي ونشاطها الدبلوماسي والعسكري، نفسها كمركز لنظام عالمي بديل. يروي هذا الخطاب قصة مفادها أن القوة تُمارَس من خلال التنمية الاقتصادية المشتركة (أفريقيا)، والوساطة المتوازنة (الشرق الأوسط)، والحزم في الدفاع عن السيادة (آسيا). يبدو الهدف النهائي هو تقويض شرعية النظام الليبرالي القائم على القيادة الأمريكية، واستبداله بنموذج “تعددي” يكون للصين فيه الدور المحوري والحاسم. بينما يروي الغرب قصة “التهديد الصيني”، تروي بكين قصة “القوة الصينية المسؤولة” في عالم مضطرب؛ والصراع بين هاتين الروايتين هو الذي سيحدد ملامح القرن الحادي والعشرين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!