في خضم الحرب الدائرة، حاليا، في الخليج والشرق الأوسط، بعد الضربات التي قامت بها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من الطبيعي أن تثار أسئلة مقلقة حول أوضاع شعب هذا البلد، الذي يعيش بين كماشة الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية، وسلطة الحرس الثوري، الذي كان الجهة الأولى، المسؤولة عن عمليات القمع التي واجهت المتظاهرين المطالبين بالتغيير الديمقراطي، في شهر يناير الأخير، والتي أدت إلى مقتل العديد منهم، واعتقالات كبيرة في صفوفهم.
ولمحاولة فهم الوضع في إيران، ينبغي العودة إلى تاريخ الثورة الإيرانية، التي أنهت حكم الأسرة البهلوية، عندما عاد آيت الله الخميني، من منفاه في باريس، سنة 1979، وجاءت هذه العودة، بعد أن كان الشعب الإيراني، قد خرج في مظاهرات متواصلة، للقضاء على نظام الشاه محمد رضا بهلوي، إذ كانت قوى هذه الثورة تتشكل من عدة أطياف، من بينها شخصيات مثقفة وطلاب وطبقة وسطى علمانية، وتجار البازار…و شكلت الحوزات الشيعية، جزءأ من هذه الحركة الاحتجاجية، حيث حولت المطالب السياسية والاقتصادية إلى خطاب ديني ثوري، وركبت المؤسسات الدينية، موجة الاحتجاجات الشعبية، ووفرت لها الغطاء الديني.
وقد ساهم في قيام هذه الثورة، أن شرعية شاه إيران، كانت مهزوزة، منذ أن قام رئيس الوزراء، محمد مصدق، زعيم الجبهة الوطنية، بتأميم النفط الإيراني، سنة 1951، حيث كانت بريطانيا تجني كل الأرباح تقريبا، وغادر الشاه البلاد، احتجاجا على هذا القرار، غير أن تحالف الولايات المتحدة الأمريكية مع البريطانيين، أطاح بمصدق، الذي سيسجن بعد أن عاد الشاه للحكم، وأعقب ذلك فترة طويلة من الديكتاتورية، عمل فيها الشاه على تركيز السلطة في يديه، فتم قمع الأحزاب القومية والشيوعية، وقيدت وسائل الإعلام، ومارست الشرطة السرية ،السافاك، اضطهادا على المعارضين.
ولم تكن الثورة على الشاه، من صنع رجال الدين وحدهم، بل ساهمت فيها عدة قوى، منها الحزب الشيوعي، تودة، ومجاهدي خلق، وهي منظمة يسارية إسلامية، كان لها دور كبير في حشد وتنظيم الاحتجاجات ضد النظام، غير أنه بمجرد سيطرة آيت الله الخميني على السلطة، وإعلان ولاية الفقيه، حتى شرع في القضاء على كل القوى السياسية الأخرى، كما عمل على عزل رئيس الحكومة المؤقتة، المهدي بازاركان، الذي لم يكن متفقا على إقامة حكم إسلامي، وكان يحاول التوفيق بين الخميني، وشابور بخيتار، الذي كان الشاه كلفه بتشكيل حكومة، غير أنه غادر البلاد هاربا، وتم اغتياله في باريس من طرف الحرس الثوري الإيراني. واضطر الحسن بني صدر الذي كان رئيس حكومة، في عهد الخميني، إلى الهرب، أيضا، إلى باريس، خوفا من الاغتيال.
وقد عانى الإيرانيون من جزار الثورة، صادق خلخالي، الذي تم تعيينه قاضيا شرعيا، لتصفية من كانوا يعتبرون حلفاء الشاه، فنظم محاكمات “ثورية” صورية، بدون حقوق دفاع، أدت إلى إعدام المئات، واعتقال عدد كبير من الناس. وفي إطار هذه الأجواء الترهيبية، أرسى الخميني ما يعرف بنظام الملالي، الذي أحدث نظاما دينيا، على مختلف المستويات القانونية والاجتماعية والثقافية، تحت سيطرة مطلقة لرجال الدين، والحرس الثوري، الدراع العسكري والأمني للنظام. ولم يقف هذا النظام عند حدود إيران، بل عمل على مد نفوذه إلى الدول المجاورة، عن طريق تمويل مجموعات شيعية، وتمويل ميليشيات مسلحة، تدين له بالولاء المطلق.
في إطار هذه الهيمنة الإقليمية، أرست نظام الحوثيين، الذي أدى عمليا إلى تقسيم اليمن، ومازالت إيران تلعب دورا خطيرا في العراق، منذ احتلال هذا البلد من طرف أمريكا، حيث وفرت التغطية السياسية والدينية والطائفية، لإضعافه والقضاء على مقوماته، وفي هذا السياق استقر آيت الله علي السيستاني، المرجع الديني في النجف العراقي، وهو رجل دين إيراني، لعب دورا كبيرا في هيمنة الشيعة على العراق، تحت الحماية الأمريكية. وبالإضافة إلى دوره السياسي، المهيمن، فإن ابنه رضا السيستاني، يسيطر على قطاع النفط، وبذلك تمكن من كسب نفوذ قوي، في إطار منظومة فساد واسعة، لتمويل الجماعات الشيعية. وبموازاة هذه الهيمنة الروحية والسياسية والمالية، الإيرانية في العراق، فإن مخابرات طهران، تلعب دورا كبيرا أيضا في هذا البلد، ومن أشهر رموزها، قاسم سليماني، الذي سيطر عليها لسنوات طويلة، قبل أن تغتاله أمريكا، بعد تجاوزه للحدود المرسومة.
لذا يمكن القول، إن كل هذه السياسات الإيرانية ومن بينها الحرب الدائرة، اليوم ضد التحالف الأمريكي الإسرائيلي، ليست حرب الشعب الإيراني، الذي يعاني تحت رحمة نظام الملالي، الذي رسم بطريقة غير ديمقراطية، توجهات هذا البلاد، لكن هذا الشعب مجبر على العيش في ظل مواجهات وحصار وعذاب يومي، لم يختره.
قم بكتابة اول تعليق