من بين أخطر التطورات التي أفرزها التقدم العلمي، أن ميدان المعارك لم يعد جغرافيا، فقط، بل يتم أيضا على صعيد الدماغ، الذي يتحول إلى ساحة معركة حقيقية، إذ أن العمليات المعرفية، مثل الانتباه، والذاكرة، واتخاذ القرار، على الصعيد الشخصي، والإدراك والعاطفة، ستكون ضمن هذه المعارك، كما أن تشكيل الرأي العام، وتماسك المجتمعات، والثقة في المؤسسات، كلها عمليات، قد تمر عبر فهم الآليات العصبية للسلوك الجماعي والتأثير الاجتماعي. هذه القضايا لا تناقش اليوم من طرف العلماء، بل أصبح لها طابع إستراتيجي لدى الدول والشركات العملاقة في مجالات التواصل والذكاء الاصطناعي، وأيضا لدى الجيوش في الدول المتقدمة في المجال التكنولوجي.
أثار جيمس جيوردانو، عالم الأعصاب في الولايات المتحدة الأمريكية هذا النقاش، في محاضرة القاها سنة 1918، وكشف فيها عن التقدم العلمي الحاصل في هذا الحقل، حيث أكد أن الدماغ سيكون ساحة المعركة في القرن الحادي والعشرين، وسيصبح جزءا من مفهوم الحرب التقليدية والابتكار العسكري المستمر، كسلاح دمار شامل. الاضطراب والتأثير سيكونان من وسائل هذه الحرب، فمفهوم الحرب يتوسع ليشمل أسلحة غير تقليدية، باللجوء إلى تقنيات قادرة على إلحاق ضرر عصبي دائم أو تعطيل وظائف دماغية على نطاق واسع.
فإلى جانب الأدوية واستعمال الغازات المؤثرة، وعمليات الشحن والتأثير النفسي المباشر، يستعمل الذكاء الاصطناعي، في تحليل كميات هائلة من البيانات العصبية والسلوكية من مصادر مثل وسائل التواصل الاجتماعي، وتوليد محتوى مؤثر مخصص لكل فرد أو مجموعة، بناء على نقاط ضعفهم واهتماماتهم العصبية والمعرفية، ومحاكاة وتوقع ردود الفعل البشرية على نطاق واسع لتخطيط الحملات. وفي هذا الإطار تشكل شبكات التواصل الاجتماعي جسر العبور، من خلال توفير البيانات الخام عن السلوك والتفكير والانتماءات.
وخصص حلف شمال الأطلسي (الناتو) اول اجتماع له حول حرب الدماغ، سنة 2021، في فرنسا، حيث نظم مركز الابتكار التابع لقيادته، والمدرسة الوطنية العليا للإدراك والتقنيات الرقمية، بدعم من نائب رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسية، ومنظمة الناتو للعلوم والتكنولوجيا، ندوة علمية، خلصت إلى أنه إلى جانب التطورات العلمية والبيوتكنولوجيا، فإن المجال المعرفي يغطي طيفا واسعا يشمل العلوم الإنسانية، مثل علم النفس وعلم الاجتماع. كما أصبحت أفعال التأثير، والقوة الناعمة والذكية، وعمليات التضليل وزعزعة الاستقرار، مكونات أساسية في استراتيجيات السيطرة والهيمنة بين الدول، والمنظمات، والفاعلين من غير الدول في العلاقات الدولية، إذ يترسخ تشويش مقصود على المرجعيات والحدود، غير مبالٍ بالواقع. ويعتبر التأثير في الرأي العام والتلاعب به أنماطًا كاملة الأركان من الفعل بالنسبة للقوى التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار.
في هذا السياق ظهر مفهوم “ما بعد الحقيقة”، الذي يتحكم في تشكيل الرأي العام، فالحقيقة أصبحت تتضاءل أمام سطوة العواطف والأكاذيب الواسعة الانتشار، التي تعتمد التشهير والتضليل، مستعملة الأدوات الحديثة، مستفيدة من قدرات التكنولوجيا الهائلة على التأثير والتغلغل، مما يمكنها من استهداف الأفراد بشكل شخصي ومباشر، وفي الوقت نفسه، تصيب الرأي العام وتتلاعب به على نطاق واسع، دون أن يدرك الجمهور، في غالب الأحيان، أنه هدف لهذه العمليات. وبذلك يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة معركة رئيسية لتشكيل الوعي وزعزعة الثقة في المعرفة والمؤسسات، بل وفي المنهج العلمي ذاته، الذي يتعرض لموجة عاتية من التشكيك المستمر.
ويلخص كتاب “التفكير، بسرعة وببطء” لدانيال كانيمان” الصادر سنة 2011، كيفية عمل عقلنا، من خلال ثنائية بين نوعين من التفكير؛ النظام السريع، الحدسي والعاطفي، والنظام، الأبطأ، الأكثر تدبرا ومنطقية. ويميل عقلنا، بشكل طبيعي، إلى استخدام طرق تفكير أبسط وأسرع لتوفير الطاقة.
مثل هذه المعطيات، وغيرها من مجالات التقدم في علم الأعصاب والسلوكيات، يتم توظيفه في تكنولوجية شبكات التواصل الاجتماعي التي تثير العاطفة وردود الفعل المتسرعة، لإخفاء الحقيقة. لذا تعمل القوى التي تقف وراء الشركات العملاقة في تكنولوجيات التواصل الرقمي والذكاء الاصطناعي، على برمجة الخوارزميات، لتلعب هذه الأدوار، ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في الصين أيضا، وفي مختلف البلدان التي تتوفر على هذا النوع من التقدم التكنولوجي. لذلك تشهد الساحة العالمية، صراعا طاحنا حول كيف يمكن السيطرة على العقول، أي التسلل للأدمغة والتأثير عليها، لأنها أصبحت ساحة معركة بامتياز.
قم بكتابة اول تعليق