‎يونس مجاهد… أكاد أشك، ولا أكاد أوقن

‎ ‎في نهاية القرن التاسع عشر، أصدر المؤرخ والباحث الانثروبولوجي الفرنسي، غوستاف لوبون، كتابا تحت عنوان “سيكولوجية الجماهير”، حاول أن يحلل فيه الميكانيزمات التي تؤدي إلى السلوك الجماعي للجمهرة، الذي يكون عادة نتيجة لاندفاع نفسي ودوافع عاطفية، وليس نتيجة مواقف عقلانية. ورغم الانتقادات التي وجهت لهذا الكتاب، خاصة مقاربته للأعراق، التي أصبحت متجاوزة، إلا أن العديد من الأفكار التي وردت فيه، مازالت صالحة إلى اليوم، ويمكن توظيفها في دراسة ظواهر خاصة بالسلوك الجماعي للجمهور. وفي هذا الإطار يمكن تطبيق نظرياته حول شبكات التواصل الاجتماعي، مثل العدوى العاطفية انعدام المسؤولية.

‎يتحدث لوبون عن كيفية انتشار العاطفة أو الحالة النفسية، في الحشد، كالمرض المعدي، وهو ما يحصل في شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر مشاعر الغضب أو الفرح داخل المجموعات الرقمية، وتخلق الخوارزميات، انطباعا كما لو كان هناك انتماء لهوية مشتركة، وكأن المجموعة تتقاسم معتقدات وسلوكيات موحدة، ويتعزز هذا التأثير عن طريق حماية المجموعة من الآراء المخالفة. بالإضافة إلى هذا، فإن انعدام المسؤولية يتمثل في العدوانية التي تكشف عنها التعبيرات في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث إن التباعد الجسدي، يجعل الناس أكثر وقاحة، الأمر الذي يكون ضعيفا في حالة التعبير وجها لوجه. لذا يمكن القول إن كتاب لوبون يقدم إطارا نظريا قويا لتحليل سلوكيات الجماهير على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تتضخم فيها مخاطر اللاعقلانية الجماعية عبر الإنترنت.‎

غير أن بعدا آخر، لا يقل أهمية، نجده متداولا كثيرا في مواقع التواصل الاجتماعي، هو التفاهة، التي خصص لها أستاذ الفلسفة في جامعة كيبيك الكندية، آلان دونو، كتابا تحت عنوان “نظام التفاهة”، الذي يدرس بعمق وشمولية أنظمة التفاهة التي تسود العالم، في مختلف المجالات، حيث أصبحت هي النمط الغالب في حياة البشر، ومن بين النماذج التي يقدمها للشخصيات التافهة، التي يمكن أن نطبق عليها ما يحصل في التعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي؛ ذلك الشخص التافه، الذي يحب أن يشعر بأنه على اطلاع على كل شيء، حتى لو لم يكن للأمر أي أهمية حقيقية، يستهلك كميات هائلة من المحتوى العابر على الشبكات الاجتماعية، ويناقش تفاصيل صغيرة بكثير من الجدية، وكأنها مسائل مصيرية، يبدو مشغولا دائما، لكن حياته في الواقع تفتقر إلى العمق والاتجاه الواضح، و يسعى للحصول على الاعتراف من خلال الإعجابات والتعليقات، ويجد في هذا العالم الرقمي تعويضا عن فراغه الداخلي، هو شخص يعيش على هامش الأحداث الكبيرة، لكنه يعتقد أنه في قلبها لمجرد أنه يتابعها.‎

غير أن الأجمل في هذا الكتاب المترجم إلى العربية، هو التعليق الذي كتبته المترجمة، الكويتية، مشاعل عبد العزيز الهاجري، الذي قدمت فيه رؤيتها للعديد من مظاهر التفاهة، مثل ما أسمته ب “ترميز التافهين أي تحويلهم إلى رموز”، المنتشرين في شبكات التواصل الاجتماعي، معيار نجاحهم هو المال الذي يكسبونه من ترويج التفاهة، كما تحدثت أيضا عن ظاهرة “الأميين الجدد”، الذين هم فئة من الأشخاص، يمتلكون المهارات التقنية للقراءة والوصول إلى المعلومات، يستهلكونها بشراهة، لكنهم يفتقرون إلى القدرة على التعامل النقدي معها. وتعتبر أن هؤلاء أخطر من الأميين التقليديين.‎

وهذه الأمية ذات المستوى العالي، نجدها منتشرة في الأنترنيت، يروج لها اشخاص عبر نقاش يبقى على مستوى السطح والهجوم أو الدفاع العاطفي، دون القدرة على تحليل المشاكل المعقدة، أو فهم وجهات النظر الأخرى بشكل عميق، لذلك فهم يشكلون وقود التطرف الفكري والسطحية، والشعبوية، والاستغلال السياسي أو التجاري، لأنهم يفتقدون إلى المناعة النقدية العميقة.‎

وفي هذا السياق، تقدم المترجمة، وهي أستاذة حاصلة على الدكتورة في القانون الخاص، نصا للجاحظ، يتحدث فيه عن حوار حول منهج الشك؛ “ولما قال أبو الجهم للمكي: “أنا لا أكاد أشك”، قال المكي: “وأنا لا أكاد أُوقن”. فافتخر عليه المكي بالشك في مواضع الشك، كما افتخر عليه أبو الجهم باليقين في مواضع اليقين”. تعلق المترجمة، أن هذا النص سبق الفيلسوف الفرنسي، ديكارت، في نظرية الشك المنهجي، وبالتالي، تقول؛ إن الدرس هنا هو أن عقلك هو قدس الأقداس، فلا تسمح لأي فكر أن يدخله ما لم تطهره، أنت، بمنطقك.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*