واقع وسياسات الهجرة والحدود: التحديات البنيوية والآثار الإنسانية

ملخص تنفيذي

يستعرض هذا المستند نتائج ندوة تحليلية حول قضايا الهجرة والحدود، مع التركيز على الواقع المغربي والتونسي. تخلص المادة إلى أن الهجرة لم تعد مجرد ظاهرة ديموغرافية، بل أصبحت “حركة وجودية” ناتجة عن انسداد الآفاق الاقتصادية والاجتماعية. تشير البيانات إلى أن 63% من الشباب المغربي يفكرون في الهجرة كحل وحيد للهروب من واقع يتسم بنسب بطالة مرتفعة تصل إلى 37% بين الشباب، وفشل السياسات الحكومية التنموية. كما يسلط التقرير الضوء على التبعات الأخلاقية لعسكرة الحدود، والانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها المهاجرون في مناطق العبور (مثل تونس وليبيا)، وظاهرة “الإفلات من العقاب” في قضايا الاستغلال التي تستهدف الفئات الهشة.

أولاً: الإطار الفلسفي والنظري للهجرة والحدود

تطرح المصادر رؤية نقدية لمفهوم الحدود، معتبرة إياها خطوطاً رسمها البشر لتنظيم السياسة والاقتصاد، لكنها تصطدم بأحلام بشرية لا تعترف بالحواجز.

  • الهجرة كفعل وجودي: هي بحث عن “فضاء للكرامة” حين يضيق المكان الأصلي، وهي انتقال للمصير وليس مجرد انتقال للجسم.
  • فينومينولوجيا الانتظار: تحول سياسات الحدود “الانتظار” من وقت ضائع إلى أداة سلطة، حيث يعيش المهاجر في “زمن راكد” يشعر فيه بالعجز أو الصدمة، خاصة في مناطق العبور (الترانزيت).
  • إشكالية الضيافة: تتأرجح بين رؤيتين:
    1. رؤية إيمانويل كانط: الضيافة كحق زيارة مؤقت ومشروط بسيادة الدولة.
    2. رؤية جاك دريدا: الضيافة كواجب مطلق وغير مشروط، معتبراً تجريمها “انتحاراً أخلاقياً”.
    3. مبدأ “أوبونتو” الإفريقي: “أنا موجود لأننا موجودون”، حيث يُنظر للمهاجر كجزء أصيل من النسيج الإنساني.

ثانياً: واقع الشباب المغربي والأزمات الدافعة للهجرة

تهيمن لغة الأرقام الرسمية على توصيف وضعية الشباب، مؤكدة على وجود “واقع مأزوم” يدفع نحو اليأس.

1. المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية

المؤشرالقيمة/النسبةالملاحظات
عدد الشباب في الهرم الديموغرافي8 ملايين نسمةيعانون من إشكالات اقتصادية حادة.
معدل البطالة بين الشباب37%يمثل حوالي 1.62 مليون عاطل.
فئة NEET (لا يدرسون ولا يعملون)37%الفئة العمرية بين 15 و24 سنة.
القطاع غير المهيكل67%نسبة الشباب المشتغلين في هذا القطاع.
الهدر المدرسي12%حوالي 294 ألف منقطع عن الدراسة سنوياً.

2. فشل السياسات العمومية

أخفقت البرامج الحكومية في امتصاص الاحتقان الاجتماعي، بل أدت أحياناً إلى نتائج عكسية:

  • برنامجي “انطلاقة” و”فرصة”: واجه بعض الشباب المستفيدين ملاحقات قضائية وأحكاماً بالسجن بسبب العجز عن سداد القروض (الإكراه البدني).
  • جواز الشباب: انتقاد لعدم جدوى توفير خدمات ترفيهية (سينما ومتاحف) في مدن تفتقر أصلاً لهذه البنيات التحتية مثل وجدة.
  • المقاربة الأمنية: الرد على الحركات الاحتجاجية (حراك الريف، جرادة، فجيج) بالاعتقال والأحكام الثقيلة التي وصلت لـ 20 سنة، مما عزز الشعور بفقدان الأمل.

3. التبعات الاجتماعية والنفسية

  • الجريمة: 63% من الجرائم المرتكبة في الفضاءات العامة يقترفها شباب، وهناك 18,754 سجيناً دون سن الثلاثين.
  • المخدرات والصحة النفسية: تعاطي المخدرات الصلبة وصل إلى 47% بين الشباب، مع ارتفاع ملحوظ في حالات الانتحار.

ثالثاً: الهجرة كخيار وحيد والمسارات المعتمدة

أصبحت الهجرة “المخلص” من الانتهاكات الحقوقية والأوضاع البئيسة.

  • الرغبة في المغادرة: 63% من الشباب (18-35 سنة) يفكرون في الهجرة وينتظرون أدنى فرصة.
  • الابتكار في المسارات: تشمل المسارات “جبل عصفور”، والعبور عبر تونس والجزائر، أو ركوب “قوارب الموت” بمبالغ تتراوح بين 5 إلى 7 ملايين سنتيم.
  • ظواهر جديدة: ظهور حالات “الهروب الجماعي” والارتماء في السياجات الحدودية.

رابعاً: عسكرة الحدود والوضع الإقليمي (تونس نموذجاً)

تحولت تونس من بلد عبور تقليدي إلى منطقة تشهد ممارسات عنيفة نتيجة الضغوط والتمويلات الأوروبية (خاصة من إيطاليا).

  • عسكرة الحدود: حصر المهاجرين في “غابات الزيتون” (صفاقس) ومنع المنظمات الإنسانية من الوصول إليهم.
  • الانتهاكات الحقوقية: تسجيل حالات فصل الأبناء عن الأمهات، الترحيل القسري إلى الحدود الليبية والجزائرية في ظروف غير إنسانية، والاعتداءات الجسدية.
  • خطاب الكراهية: صعود “فاشية جديدة” وعنصرية تجاه المهاجرين من جنوب الصحراء، وتنامي خطاب يعتبر المهاجرين “غزاة”.
  • المفقودون: وجود مقابر غير معلومة وحالات اختفاء قسري لمهاجرين دخلوا المستشفيات أو السجون ولم يُعرف مصيرهم.

خامساً: الاستغلال والإفلات من العقاب

كشف المصدر عن قضايا استغلال جنسي جسيمة استهدفت القاصرين المهاجرين، مستغلة هشاشتهم وغياب الحماية القانونية.

  • قضية “أنطوان”: رجل دين استغل صفته وخدماته الاجتماعية في وجدة والدار البيضاء لاستدراج واغتصاب قاصرين مهاجرين لسنوات تحت غطاء “فعل الخير”.
  • مسؤولية المؤسسات: إدانة “منظومة الصمت” داخل الكنيسة الكاثوليكية، وتقصير الدولة المغربية في حماية الفئات الأكثر هشاشة (النساء والأطفال الأجانب).
  • ارتباط الجريمة بالسياسة: سياسات الحدود هي التي تجعل المهاجر “فريسة” للمعتدين عبر حرمانه من طوق النجاة القانوني وجعله يعتمد على المساعدات الفردية غير المراقبة.

سادساً: شهادات إنسانية ومطالب العائلات

تؤكد العائلات أن “الغياب ليس نهاية الحكاية بل بدايتها”.

  • مأساة المفقودين: حالة “محمد بن سميرة” (تونس) المفقود منذ 2012، وشهادات حول تعمد حرس الحدود الإيطالي عدم تقديم المساعدة لمركب يغرق.
  • الأثر النفسي: تعيش العائلات حالة انتظار مريرة (“وجع الأمان”)، وتتحول قصص الأبناء (مثل جواد وعمر) من أحلام بالوصول إلى شهادات على التعنيف والضياع في غابات البلقان أو سجون ليبيا.
  • المطالب: الانتقال من “المقاربة الإحسانية” إلى “المقاربة بالحقوق”، والمطالبة بفتح السياسات الحدودية الأوروبية التي تقتل البشر وتغذي تجارة البشر.

سابعاً: الخلاصة والتوصيات

تخلص الندوة إلى ضرورة تكتيف الجهود لمواجهة “الفاشية الصاعدة” وخطابات الكراهية المستوردة.

  1. استعادة الثقة: العمل على سياسات عمومية حقيقية تضمن الشغل والتعليم والكرامة للشباب للحد من رغبتهم في المغادرة.
  2. المحاسبة: فتح تحقيقات في قضايا الانتهاكات والاستغلال الجنسي وضمان عدم الإفلات من العقاب.
  3. النضال الوحدوي: دعم الجمعيات التي تعمل مع المهاجرين (مثل الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية الصعوبة) والانتقال بالعمل الجمعوي من التضامن العابر إلى المرافعة الحقوقية الدولية.
  4. مراجعة الاتفاقيات: نقد سياسات الاتحاد الأوروبي التي تحول الدول المغاربية إلى “دركي” للحدود مقابل إغراءات مالية.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*