ذ. مصطفى صغيري، عضو المكتب التنفيذي لمركز سنابل للدراسات والسياسات العمومية
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية.
“في لحظة سياسية تتسم بتكاثر الخطابات التقييمية للتجربة الحكومية واقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعود سؤال العلاقة بين السياسة والمجتمع إلى صدارة النقاش العمومي. فهل يكفي استعراض الحصيلة لإعادة بناء الثقة في العمل السياسي، أم أن المرحلة تقتضي التفكير في أفق أعمق يقوم على تعاقد مجتمعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن ويؤسس لشرعية سياسية قائمة على الالتزام والمسؤولية المشتركة؟”
مقدمة
تشهد الحياة السياسية في المغرب خلال المرحلة الراهنة تحولات لافتة تعكس تطور النقاش العمومي حول طبيعة السياسات العمومية ومدى قدرتها على الاستجابة لتطلعات المجتمع. وتكتسب هذه النقاشات أهمية مضاعفة في سياق سياسي يتسم بقرب الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 23 شتنبر، وهي محطة ديمقراطية تفتح المجال أمام تقييم جماعي لمسار العمل الحكومي ولأدوار الفاعلين السياسيين في تدبير الشأن العام.
وفي هذا السياق، برزت في النقاش السياسي مبادرة التعاقد المجتمعي التي أعلن عنها الأمين العام لحزب الحركة الشعبية السيد محمد أوزين، باعتبارها مقاربة سياسية تسعى إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الفاعل السياسي والمجتمع، في لحظة تاريخية تتسم بتزايد انتظارات المواطنين وبحاجة متنامية إلى سياسات عمومية أكثر نجاعة وقدرة على تحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي الملموس.
ففي الوقت الذي أصبح فيه الخطاب السياسي المعاصر يميل في كثير من الأحيان إلى تأطير التجربة الحكومية ضمن سرديات تواصلية تحتفي بالحصيلة والإنجازات، يطرح مفهوم التعاقد المجتمعي مقاربة مختلفة تقوم على إعادة تأسيس العلاقة بين الفعل السياسي والمجتمع على قاعدة الالتزام والمسؤولية المشتركة، بما يتجاوز منطق البرامج الانتخابية الظرفية نحو أفق أوسع يتعلق ببناء مشروع مجتمعي متكامل.
فالنقاش السياسي نادراً ما يقتصر في لحظات التحول على تقييم الحصيلة أو استعراض المنجزات؛ إذ يتحول في مثل هذه اللحظات إلى مساءلة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الفعل السياسي والمجتمع، وفي السياقات التي تتنامى فيها انتظارات المواطنين وتتسارع فيها التحولات الاقتصادية والاجتماعية، يصبح السؤال الجوهري ليس فقط: ماذا تحقق؟ بل أيضاً: أي أفق سياسي يمكن أن يعيد بناء الثقة بين المواطن والعمل السياسي؟
وفي هذا الإطار، يبرز مفهوم التعاقد المجتمعي كأحد المفاهيم التي تعيد طرح سؤال الشرعية السياسية من زاوية جديدة، لا تقوم على مجرد عرض الحصيلة أو تقديم الوعود الانتخابية، بل على صياغة رؤية مجتمعية طويلة المدى تقوم على الالتزام والمسؤولية المشتركة بين الفاعلين السياسيين والمجتمع.
أولاً: التعاقد المجتمعي في الفكر السياسي الحديث
يرتبط مفهوم التعاقد المجتمعي في الفلسفة السياسية الحديثة بنظريات العقد الاجتماعي التي شكلت أحد الأسس النظرية للفكر السياسي منذ القرن الثامن عشر، فقد اعتبر جان جاك روسو في كتابه الشهير“العقد الاجتماعي” أن الشرعية السياسية لا تستند إلى القوة أو الامتياز، بل إلى توافق جماعي بين أفراد المجتمع حول كيفية تنظيم السلطة وممارستها، حيث يشير روسو إلى أى
كما طور الفيلسوف الأمريكي جون رولز في نظريته حول العدالة كإنصاف تصوراً للدولة العادلة يقوم على مبدأ تكافؤ الفرص وعلى ضرورة أن تضمن المؤسسات السياسية تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية بين المواطنين.
أما المفكر الألماني يورغنهابرماس فقد أسس لما يعرف بـ الديمقراطية التداولية، حيث تصبح الشرعية السياسية نتيجة لنقاش عمومي عقلاني يسمح بتفاعل مختلف الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين في صياغة السياسات العمومية. ويرى هابرماس أن الديمقراطية لا تختزل في الانتخابات، بل في النقاش العمومي الذي يسمح للمجتمع بالمشاركة في توجيه القرار السياسي.
ومن هذا المنظور، فإن مفهوم التعاقد المجتمعي في السياق المغربي يمكن قراءته باعتباره محاولة لإعادة التفكير في أسس الشرعية السياسية وفي طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط الأحزاب السياسية بالمجتمع، بما يعزز الثقة في المؤسسات التمثيلية ويقوي المشاركة السياسية.
ثانياً: الوساطة الحزبية بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي
تشير العديد من الدراسات في علم السياسة إلى أن الديمقراطيات المعاصرة تواجه ما يُعرف بـ أزمة الوساطة الحزبية، حيث تتزايد المسافة بين الأحزاب السياسية والمجتمع نتيجة عدة عوامل، من بينها ضعف القدرة على ترجمة البرامج السياسية إلى سياسات عمومية ملموسة.
وقد أشار عالم الاجتماع السياسي ماكس فيبر إلى أن شرعية السلطة السياسية لا تقوم فقط على الشرعية القانونية، بل أيضاً على قدرة الفاعلين السياسيين على إقناع المجتمع بجدوى اختياراتهم السياسية.
وفي السياق نفسه، يؤكد عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن الخطاب السياسي قد يتحول في بعض الأحيان إلى ما يشبه الرأسمال الرمزي الذي يسعى إلى إنتاج صورة معينة عن الفعل السياسي، دون أن يعكس بالضرورة العلاقة الفعلية بين الخطاب والواقع الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم السياسات العمومية لا يمكن أن يقتصر على السرديات التوثيقية للحصيلة الحكومية أو على تقديم التجربة السياسية في قالب احتفالي يركز على الإنجازات المعلنة، بل ينبغي أن يستند إلى تحليل موضوعي لمدى انعكاس هذه السياسات على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين.
ثالثاً: بين الخطاب التواصلي للحصيلة ومنطق المشروع المجتمعي
شهدت السنوات الأخيرة بروز نمط من الخطاب السياسي يقوم على إعادة بناء التجربة الحكومية في صيغة سرديات توثيقية تسعى إلى إبراز المنجزات وتقديم قراءة إيجابية لمسار العمل الحكومي.
ورغم أن التواصل السياسي يشكل عنصراً أساسياً في الممارسة الديمقراطية، فإن الأدبيات الحديثة في العلوم السياسية تشير إلى أن تضخم الخطاب التواصلي للحصيلة الحكومية قد يتحول في بعض الأحيان إلى ما يشبه التمهيد الرمزي للمحطات الانتخابية.
ففي بعض الحالات، يتم التركيز بشكل كبير على تأطير التجربة الحكومية ضمن سرديات تواصلية مكثفة تهدف إلى تثبيت صورة معينة عن الفعل العمومي، خاصة في الفترات التي تسبق المحطات الانتخابية، حيث تتحول الحصيلة الحكومية من موضوع للنقاش العمومي إلى مادة خطابية لإعادة بناء الشرعية السياسية.
غير أن التجارب الديمقراطية المقارنة تؤكد أن المشروعية السياسية لا تُبنى فقط على سردية الإنجازات، بل على القدرة الفعلية للسياسات العمومية على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين.
ومن هنا يبرز طرح التعاقد المجتمعي كمحاولة للانتقال من منطق الخطاب السياسي المرتبط بالحَصيلة إلى منطق المشروع المجتمعي طويل المدى الذي يقوم على رؤية استراتيجية واضحة وعلى التزام سياسي صريح تجاه المجتمع.
رابعاً: التعاقد المجتمعي في أفق الاستحقاقات المقبلة
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 23 شتنبر، يكتسب النقاش حول طبيعة البرامج السياسية ومستقبل العمل الحزبي دلالة خاصة، لأن اللحظة الانتخابية لا تمثل فقط موعداً دورياً للتنافس بين الأحزاب، بل تشكل كذلك لحظة اختبار حقيقية لمدى صدقية الوساطة الحزبية وقدرتها على إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة الحزبية.
ففي السياقات الديمقراطية المعاصرة، لم يعد الرهان الانتخابي يُختزل في القدرة على صياغة وعود جديدة أو تقديم برامج تقنية قطاعية، بقدر ما أصبح يرتبط بقدرة الفاعل السياسي على تقديم أفق مجتمعي مقنع يعيد وصل السياسة بالمجتمع ويمنح الفعل العمومي معنى يتجاوز التدبير اليومي أو الحسابات الانتخابية الظرفية.
ولهذا السبب، فإن الاستحقاقات المقبلة لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها منافسة حول من سيفوز بالأغلبية أو من سيقود الحكومة، وإنما باعتبارها أيضاً مناسبة لإعادة مساءلة طبيعة العرض السياسي نفسه: هل هو مجرد تجميع لالتزامات انتخابية قابلة للتبدل بتبدل السياقات، أم هو تعبير عن تصور مجتمعي متكامل يحدد بوضوح طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن وبين السياسة والانتظارات الاجتماعية؟
ومن هذا المنظور، تبرز مبادرة التعاقد المجتمعي باعتبارها محاولة للخروج من الحدود التقليدية للبرنامج الانتخابي، فالبرنامج، في صيغته المألوفة، يظل في الغالب أداة للتنافس الانتخابي يُصاغ بمنطق الظرفية السياسية، بينما يحمل التعاقد المجتمعي معنى أعمق لأنه يتجاوز الوعود الظرفية ليطرح سؤال الأسس القيمية والسياسية التي ينبغي أن تؤطر العلاقة بين الأحزاب والمجتمع.
وهذا ما يمنح هذا الطرح دلالته الخاصة في السياق المغربي الراهن، حيث لم يعد المشكل فقط في ندرة البرامج أو غياب المقترحات، بل في تآكل الثقة في القدرة الإجرائية للبرامج ذاتها.
خاتمة
وفي هذا السياق، تبدو بعض المبادرات الفكرية والسياسية التي بدأت تظهر داخل الحقل الحزبي المغربي مؤشراً على إدراك متزايد بضرورة الانتقال من منطق التنافس الانتخابي التقليدي إلى منطق إعادة التفكير في العلاقة بين السياسة والمجتمع، فحين يبدأ النقاش السياسي في تجاوز حدود البرامج الظرفية ليطرح سؤال التعاقد المجتمعي، فإن ذلك يعكس تحوّلاً في الوعي السياسي لدى بعض الفاعلين، مفاده أن الرهان لم يعد فقط في الفوز بالمقاعد أو تشكيل الأغلبية، بل في القدرة على تقديم رؤية سياسية قادرة على إعادة المعنى للفعل الحزبي وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية.
وفي هذا المعنى، يصبح النقاش حول التعاقد المجتمعي أكثر من مجرد طرح سياسي جديد؛ إذ يمكن اعتباره محاولة لإعادة توجيه النقاش العمومي نحو القضايا البنيوية التي تهم مستقبل المجتمع والدولة، خاصة في سياق يتسم بتزايد الانتظارات الاجتماعية وتعقّد التحولات الاقتصادية، ومن هنا تكتسب هذه المقاربة أهميتها، لأنها تفتح المجال أمام التفكير في نموذج جديد للفعل الحزبي يجعل من السياسة أداة لتأطير التحولات المجتمعية، لا مجرد آلية للتنافس الانتخابي الدوري
إن النقاش حول فكرة التعاقد المجتمعي لا يمكن اختزاله في مجرد شعار سياسي أو تصور نظري عابر، بل يعكس تحوّلاً أعمق في طريقة التفكير في الفعل الحزبي وفي طبيعة العلاقة بين السياسة والمجتمع.
فالتجارب الديمقراطية المعاصرة تُظهر أن الشرعية السياسية لم تعد تُبنى فقط على القدرة على إدارة السلطة أو تقديم الحصيلة، بل على القدرة على إنتاج أفق سياسي ومجتمعي يعيد الاعتبار للثقة في العمل السياسي.
وفي هذا السياق، فإن طرح التعاقد المجتمعي يفتح النقاش حول إمكانية الانتقال من منطق التنافس الانتخابي القائم على البرامج الظرفية إلى منطق المشروع المجتمعي طويل المدى الذي يضع المواطن في قلب الفعل السياسي ويجعل من السياسات العمومية تعبيراً عن تعاقد واضح بين الدولة والمجتمع.
وفي لحظة سياسية تتسم بتزايد الانتظارات المجتمعية وبقرب استحقاقات انتخابية مفصلية، يظل الرهان الأساسي هو قدرة الفاعلين السياسيين على الانتقال من منطق الخطاب السياسي إلى منطق الرؤية المجتمعية القادرة على استشراف المستقبل.
قم بكتابة اول تعليق