من سؤال برلماني إلى مؤشر خطر: متى تنتبه الحكومة إلى انفجار الأوضاع الاجتماعية؟

في العادة، تمر الأسئلة الكتابية التي يوجهها البرلمانيون إلى الحكومة دون أن تترك أثرًا كبيرًا في الرأي العام، لكن السؤال الذي تقدم به النائب عمر اعنان (دائرة وجدة) إلى رئيس الحكومة مؤخرًا يستحق وقفة مطولة، ليس لأنه يحمل توقيع نائب معارض أو لأنه صدر عن جهة تعاني التهميش، بل لأنه يقرأ الواقع الاجتماعي بجرأة نادرة، ويكشف حجم الهوة التي تفصل بين خطابات الحكومة وحياة المواطنين اليومية.

يأتي السؤال في ظل تصاعد غير مسبوق في أسعار المواد الأساسية، من خضر وفواكه ولحوم، إلى جانب المحروقات، في وقت تبدو فيه آليات المراقبة عاجزة، والسياسات الحكومية حائرة بين التحرير غير المؤطر للأسعار والوعود المتجددة بحماية القدرة الشرائية. ما يلفت الانتباه في مضمون السؤال أنه لا يتوقف عند وصف الأعراض، بل يشخص الاختلالات الهيكلية: غياب تدخل حكومي فعال، عجز عن مواجهة المضاربة والاحتكار، واستمرار سياسات اقتصادية تتحمل كلفتها الأسر المغربية، خاصة الطبقة المتوسطة التي تتآكل يومًا بعد يوم.

لكن الخطورة تتضاعف حين ينتقل السؤال إلى الحديث عن جهة الشرق. فما يعانيه المواطنون في وجدة ومنطقة بركان والناظور وغيرها ليس مجرد امتداد للأزمة الوطنية، بل نموذج مكثف لفشل السياسات الترابية. هشاشة بنيوية، بطالة متفشية، غياب الدينامية الاقتصادية، وتكلفة عيش مرتفعة في منطقة تعاني أصلاً من عزلة تنموية مزمنة. إنها معادلة تجعل من جهة الشرق قنبلة موقوتة، تنتظر من يلتفت إليها بجدية قبل فوات الأوان.

الأسئلة التي طرحها النائب في سؤاله ليست استفهامية بقدر ما هي استنطاقية: كيف تفسر الحكومة هذا الارتفاع الجنوني للأسعار؟ إلى أي حد تتحمل سياساتها الحالية مسؤولية تدهور القدرة الشرائية؟ أين هي الإجراءات العاجلة والحقيقية لوقف المضاربة؟ وكيف ستعالج البطالة في جهة أصبحت نموذجًا صارخًا للإقصاء؟ هذه أسئلة لا يمكن تمريرها بمراوغات إدارية أو بيانات مطمئنة، لأنها تصطدم بواقع قاسٍ لا يحتمل التأويل.

لقد بات واضحًا أن المقاربة الحكومية القائمة على التدابير الظرفية (دعم محدود هنا، أو عملية مراقبة مؤقتة هناك) لم تعد قادرة على خلق أي اختراق في الأزمة. ما يحتاجه الوضع اليوم هو تحول جذري في الفلسفة الاقتصادية: العودة إلى دور الدولة كضابط للأسواق، تفعيل آليات حقيقية لمحاربة الاحتكار، وإنقاذ الطبقة المتوسطة التي كانت ولا تزال الضمانة الحقيقية للاستقرار الاجتماعي.

أما جهة الشرق، فتستحق أكثر من الوعود. تستحق برامج تنموية استعجالية تعيد الاعتبار لعدالة مجالية طالما تغنت بها الخطابات الرسمية دون أن تترجم على الأرض. لا يمكن الاستمرار في التعامل مع هذه الجهة كهامش بعيد يتحمل أعباء السياسات المركزية دون أن يلمس أي أثر للتنمية.

ربما لا تتجاوز قيمة السؤال الكتابي كونه ورقة برلمانية عادية، لكن الرسالة التي يحملها أكبر من ذلك بكثير. إنها صرخة تحذير من نائب يعرف معاناة دائرته، لكنها في جوهرها تعبير عن غضب شعبي متراكم يبحث عن متنفس. فإما أن تستمع الحكومة إلى هذه الأصوات قبل فوات الأوان، وإما أن تنتظر حتى تتحول الأسئلة إلى أفعال لا يمكن السيطرة عليها.

تحتاج البلاد اليوم إلى وقفة مراجعة حقيقية، بعيدًا عن منطق التدبير اليومي. فالتدهور الاجتماعي لا يُعالج بوعود مؤجلة، والأسواق لا تضبط ببلاغات مستهلكة، والجهات المهمشة لا تنهض بقرارات مركزية لا تلامس واقعها. لقد آن الأوان لتحويل الأسئلة البرلمانية إلى برامج حكومية، وإلا فإن ما ينتظرنا سيكون أصعب مما نتصور.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*