
بقلم: محرّر الشؤون الرياضية / تحليل لدراسة اعدها قسم التحرير بالجريدة
اختتمت المملكة المغربية استضافتها للنسخة الخامسة والثلاثين من كأس الأمم الأفريقية (كان 2025)، وهي التظاهرة التي شكلت لحظة مفصلية في التاريخ الرياضي القاري، ومحطة حاسمة لاختبار جاهزية المغرب لاحتضان مونديال 2030. وبينما أجمع العالم على نجاح “البنية التحتية الصلبة” من ملاعب متطورة وتدبير أمني محكم، طفت على السطح اختلالات هيكلية عميقة كشفت عن “هشاشة القوة الناعمة” المتمثلة في المنظومة الإعلامية الوطنية,.
مفارقة النجاح التنظيمي والإخفاق الإعلامي
لقد راهنت الدولة المغربية على هذه البطولة لتقديم “أوراق اعتمادها” للعالم عبر استثمارات ضخمة في اللوجستيك والأمن، وهو ما تحقق فعلياً بإشادة دولية واسعة. إلا أن هذا الاستثمار المادي لم توازِه “رافعة إعلامية” احترافية؛ حيث سقط الإعلام في فخ “الهشاشة الوظيفية والأخلاقية”، التي تجلت في تذبذب الخطاب بين المهنية والتهريج، والعجز عن حماية “السيادة التواصلية” أمام السرديات الأجنبية.
أزمة “المؤثرين” وتواري المهنية
من أكثر الظواهر إثارة للجدل كانت “الخطيئة الاستراتيجية” المتمثلة في إزاحة الصحافة المؤسساتية لصالح “جيش من المؤثرين” وصناع المحتوى. هؤلاء، وبحسب تقارير نقابية، يفتقرون للتكوين والوازع الأخلاقي، مما حول الحدث من “خبر ومساءلة” إلى مجرد “فرجة وفضائحية” بحثاً عن “البوز” والعائد الإعلاني المباشر. هذا الفراغ المهني سمح لخصوم المغرب الإقليميين باستغلال الهفوات التنظيمية لترويج روايات تخدم أجنداتهم في ظل غياب رد مغربي احترافي يعتمد الحقائق والأرقام,.
“الأحد الأسود”: سقطة الندوة الصحفية
شكلت المباراة النهائية بين المغرب والسنغال ذروة الانكشاف الإعلامي؛ فبعيداً عن أحداث الملعب وتوترها، شهدت القاعة المخصصة للندوات الصحفية ما وُصف بـ “الفضيحة”. فبدلاً من طرح أسئلة مهنية حول انسحاب المنتخب السنغالي المؤقت، تحول بعض “الصحفيين” إلى “ألتراس“، موجّهين عبارات نابية وصيحات استهجان لمدرب السنغال “بابي ثياو“,. هذا السلوك استدعى إدانة رسمية من الجمعية الدولية للصحافة الرياضية (AIPS)، التي وصفته بالمشين والمنافي للمعايير المهنية، مما وجه ضربة موجعة لسمعة الإعلام المغربي دولياً.
وباء الشائعات والأمن القومي الرقمي
في ظل غياب التغطية الرصينة، وجد الجمهور المغربي نفسه فريسة لـ “تسونامي من الأخبار الزائفة” عقب الهزيمة في النهائي. انتشرت شائعات خطيرة حول مقتل رجال أمن وحرق متاجر لمهاجرين، مما اضطر المديرية العامة للأمن الوطني (DGSN) للتحول إلى “غرفة أخبار” لتصحيح الأكاذيب ونفي إشاعات القتل والعنف,. هذا الاعتماد على المؤسسة الأمنية لتصحيح الأخبار كشف عن عجز الإعلام عن التحقق وفقدانه للمصداقية لدى الشارع.
جذور الأزمة والطريق نحو 2030
تعود أسباب هذا الإخفاق، حسب الدراسة، إلى “ديكتاتورية النقرة”؛ حيث أصبحت المقاولات الإعلامية رهينة نموذج اقتصادي يفضل “الإثارة” على “المعطى”، ويوظف “هواة” بأجور زهيدة,. كما ظهر فقر مدقع في الثقافة القانونية والرياضية واللغوية لدى الكثير من الممارسين، مما جعل نقاشاتهم عاطفية وسطحية,.
ولكي لا يذهب المغرب إلى مونديال 2030 “أعزلاً” من قوته الناعمة، تقترح المصادر جملة من التوصيات العاجلة، أبرزها:
- • إصلاح نظام الاعتماد لوضع حد لفوضى “المؤثرين” في المناطق الحساسة.
- • صياغة ميثاق شرف أخلاقي ملزم يمنع الخطاب الشوفيني والتحريضي.
- • الاستثمار في رأس المال البشري عبر برامج تكوين مكثفة في اللغات وتقنيات التحقق من الأخبار (Fact-Checking).
إن الإعلام ليس مجرد مكمل للحدث الرياضي، بل هو “روحه” ولسانه الناطق، وحماية صورة الوطن تتطلب مهنية حقيقية، لا ضجيجاً وصراخاً.
قم بكتابة اول تعليق