انطلاقا من تتبعي للأوضاع الكارثية الناتجة عن سوء الأحوال الجوية وما خلفته من فيضانات قل نظيرها في تاريخ الكوارث الطبيعية في المغرب بصفة عامة و شمال المغرب بصفة خاصة .وما خلفته ولا نزال من أضرار في الممتلكات الخاصة والعامة سواء في الحواضر كالقصر الكبير وتاونات و غفساي وتطوان الخ … او البوادي التي غمرتها المياه كليا خاصة في منطقة الغرب ومناطق أخرى بجهة الريف دمرت الزرع والماشية و الصحة النفسية للإنسان .اضافة الى البنيات التحتية الطرقية التي شهدت دمارا كبيرا في مختلف أقاليم الريف الكبير نتج عنه عزل العشرات من الدواوير والمداشر التي تنتظر فك العزلة عنها في أقرب وقت من اجل تيسير ظروف حياتهم اليومية بشكل آمن . وهو ما يستدعي بالضرورة اعلان هذه المناطق منكوبة .
وانطلاقا مما عاينته في تفاعلي مع هذه الكارثة يمكن أن اختصر كلامي في ملاحظتين أساسيتين .
علاقة بالمجتمع المدني..
عادة ما كانت الكوارث الطبيعية التي تصيب بعض مناطق المغرب سببا في إحياء الضمير الإنساني للمجتمع المغربي للتضامن والتآزر وتقديم ما يمكن من مساعدات مادية وصحية للضحايا والمتضررين وذلك طبعا عبر منظمات المجتمع المدني التي كانت نشطة خاصة عندما يتعلق الأمر بإحياء القيم التضامنية في مثل هذه الظروف
لكن للمفارقة فإن تتبعي لمستوى حضور الجمعيات المدنية والمبادرات الفردية في التعامل مع هذه الكارثة المستجدة يمكن القول انه شبه منعدم اللهم اذا استثنينا بعض المبادرات الشخصية لبعض الفاعلين او بعض الجمعيات خاصة من المناطق المتضررة التي مع الأسف لا ترقى إلى مستوى الاستجابة للحاجيات الكبيرة للمتضررين الذين فقدوا ممتلكاتهم أو غادروا قصرا مساكنهم ومدنهم وقراهم تاركين وراءهم كل ما يملكون. لكن في مقابل هذا التراجع المقلق لمنظمات المجتمع المدني في تأدية دورها المجتمعي والتضامني في كل ما يتعلق بالكوارث او في تدبير الشأن العام التي هي طرف فيه بمقتضى الدستور والقانون . و الذي يعد ناقوس خطر يجب على الدولة ان تنتبه له وتعمل على معالجة أسبابه .نجد أن الكثير من الأشخاص يتسابقون لنقل صور وفيديوهات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لواقع مأساوي معروف لدى الجميع لاستقطاب اكبر عدد من اللايكات .دون ان يكونوا فاعلين في هذا الواقع سواء لتغييره أو لتخفيف المعاناة الإنسانية الناجمة عن هذه الكارثة .
علاقة بالسلطة والمجالس المنتخبة.
انطلاقا كذلك مما تشهده جهة الريف الكبير من كارثة إنسانية نتيجة الفيضانات التي تستمر منذ أيام. فإن ما يثير انتباه أي متتبع لهذا الوضع هو غياب شبه كلي لادوار المجالس المنتخبة في تدبير هذه الكارثة رغم أنها تهم المجالات الترابية التي تدعي تدبيرها والساكنة التي تدعي تمثيلها . بل إن هذه المجالس بما فيها مجالس الجهوية لم تعقد أي دورات استثنائية خاصة لتدبير هذه الكارثة .علما أن معالجة مثل هذه الأوضاع يشكل جزءا من اختصاصاتها الدستورية .هذا إذا ما استثنينا بعض التصريحات لبعض رؤساء الجماعات الذين يمتثلون في أقوالهم لأوامر السلطات المحلية دون أن يمتلكوا تصورا أو برنامجا يمكنهم في المساهمة بتنسيق مع جهات اخرى معنية للحد من آثار هذه الكارثة التي تهم مجالاتهم الترابية .
ان ما يثير الانتباه كذلك في هذا الشأن هو تفرد السلطة في تدبير هذه الكارثة.التي وعلى الرغم من المجهودات التي تبذلها من أجل الحد من آثارها ومعالجة تبعاتها .إلا أنها تبقى ناقصة . يشوبها الكثير من العشوائية والارتجالية وهو ما عايناه في بعض التدابير التي تم اتخاذها وبعد ذلك تم التراجع عنها مباشرة .اضافة الى عدم قدرتها على تلبية الحاجيات الاستعجالية لأعداد كبيرة من الساكنة المرحلين عن مناطقهم ومنازلهم .دون إغفال ما تعيشه الكثير من الدواوير من عزلة تحول دون تنقلهم الأمن نتيجة الدمار الكبير الذي أصاب البنيات الطرقية.
أقول قولي هذا ليس انتقاصا من المجهودات التي تبذلها السلطات المحلية. بل من أجل اثارة الانتباه إلى أن تدبير مثل هذه الكوارث يستدعي تظافر جهود كل الفاعلين من سلطات و مجالس منتخبة ومجتمع مدني وذلك بطريقة تشاركية. وبما ان الشيء بالشيء يذكر لا بد من الحديث عن ما هو دور الاستراتيجية الوطنية للحد من آثار الكوارث الطبيعية التي تم اعتمادها لسنوات ،2020 / 2030 بتوصية من البنك الدولي الذي أقر في تقريره السنوي أن المغرب يخسر ما يقارب576 مليون دولار سنويا جراء الكوارث الطبيعية زلازل / ,حرائق غابات / جفاف / فيضانات . بل وانه مرشح للمزيد من مثل هذه الكوارث في المستقبل و ساهمت من اجل ذلك سويسرا ب 1.5 مليون دولار وكذا 300 مليون دولار من البنك الدولي لتقوية هذه الاستراتيجية .
و رغم أن هذه الاستراتيجية وضعت اصلا لتفادي أو للحد من آثار هذه الكوارث ورصدت لها إمكانيات بملايير الدولارات. لكن مع الأسف لا يتبين لنا من خلال تتبعنا لعملية تدبير الكارثة الحالية أي اثر يذكر .لأن أي استراتيجية وطنية تهم الشأن العام وبغض النظر عن مضامينها ،تقتضي ممن وضعوها وضع آليات تنزيلها عبر الجماعات الترابية المعنية بها . وإشراك الفاعلين المحليين منتخبين ومجتمع مدني في عملية تفعيلها وذلك وفق المقتضيات الدستورية.
في هذا السياق اذن يمكن أن نسائل واضعي هذه الاستراتيجية عن مصير هذه الآليات التي تيسر عملية التنزيل . وهل فعلا هناك مراكز جهوية للحد من آثار هذه الكوارث الطبيعية تشتغل بطاقم بشري متخصص يخضع لتكوينات و دورات تدريبية وطنية و دولية تؤهله للعمل بشكل تلقائي سواء في ما يتعلق بوضع برامج استباقية أو في التدخلات الاستعجالية ؟ . وهنا فقط يمكن الاجابة ب لا.
خلاصة القول ان الرافعة الأساسية لنجاح اي استراتيجية وطنية تهم الشأن العام سواء متعلقة بالكوارث او التنمية او الهجرة او او او لا يمكن أن تكون ناجحة ان لم تقم على الثقة بين ثلاثة فاعلين أساسيين : السلطة / المجالس المنتخبة / المجتمع المدني
وان ما نشهده من قصور في تدبير كارثة الفيضانات الحالية رغم كل المجهودات المقدمة هو نتاج موضوعي لغياب استحضار هذه المعادلة المثلثية الأضلاع.
د.تدمري عبد الوهاب طنجة في 4 فبراير 2026
قم بكتابة اول تعليق