أحمد صبار: 09 مارس 2026
في الوقت الذي يفترض أن تشكل فيه أجهزة التفتيش آلية لضمان النزاهة وحماية المال العام، تكشف معطيات متداولة حول ملف تدبير غابة الأرز بمنطقة تامجيلت عن مفارقة مثيرة للجدل، مسؤول سابق أشرف على مرحلة وصفت بسنوات “الاجتثاث” داخل الغابة نفسها، يعود لاحقا بصفة مفتش للمشاركة في التحقيق في اختلالات يشتبه أن بعضها وقع تحت إشرافه.
القصة تعود إلى مرحلة شهدت فيها غابة الأرز بمنطقة تامجيلت جماعة بركين إقليم جرسيف عمليات استغلال وقطع أثارت الكثير من علامات الاستفهام، فوفق محاضر وتقارير ميدانية صادرة عن مصالح وزارة الداخلية، جرى توثيق مجموعة من التجاوزات التي مست شجرة الأرز، من بينها ما وصف بتلاعبات في تدبير الاستغلال الغابوي، ووجود شبكات منظمة يشتبه في تورطها في عمليات استنزاف الثروة الغابوية بتواطؤ عناصر ميدانية مكلفة بالإشراف.
هذه المعطيات دفعت المفتشية العامة إلى فتح بحث في الموضوع، في خطوة اعتبرت حينها مؤشرا على جدية المؤسسات الرقابية في تتبع ملفات الفساد أو سوء التدبير، غير أن ما أثار الاستغراب، بحسب مصادر مطلعة، هو أن عملية المراجعة اللاحقة تمت تقريبا بنفس العناصر التي كانت مشرفة على التدبير خلال تلك المرحلة.
المفاجأة الأكبر، حسب المعطيات المتداولة، تمثلت في تعيين أحد المسؤولين الذين كانوا يشرفون على تدبير الشأن الميداني خلال فترة الاختلالات، مفتشا ضمن الفريق المكلف بالتحقيق في الملف نفسه، وضع يطرح إشكالية قانونية وأخلاقية واضحة تتعلق بتضارب المصالح وحالة التنافي.
في أدبيات التدقيق الإداري وقواعد Audit” المعمول بها دوليا، يعتبر مبدأ الاستقلالية شرطا أساسيا لأي عملية تفتيش، وتنص القاعدة المهنية بوضوح على أنه، لا يحق لأي مفتش أو مدقق أن يقوم بتفتيش المؤسسة أو الوحدة التي سبق له أن تولى تدبيرها، لأن ذلك يمس بمصداقية عملية الافتحاص ويخلق تضاربا واضحا في المصالح.
هذا الوضع يعيد طرح سؤال جوهري، كيف تعاملت المفتشية مع هذه الحالة؟ وما هو مضمون التقرير الذي خلصت إليه؟ وهل تم فعلا احترام قواعد الحكامة والحياد المفترضة في مثل هذه التحقيقات؟
الأسئلة تزداد حدة بالنظر إلى ما يقال عن ارتباط الملف أيضا بصفقة تحمل رقم -19/2021- والتي يعتبر بعض المتتبعين أن المسؤول نفسه كان ضمن الأطراف التي ارتبط اسمها بالاختلالات المرتبطة بها، فكيف يمكن لشخص يذكر اسمه في سياق شبهات تدبيرية أن يتحول إلى مفتش يحقق في نفس الملف؟
قانونيا، يطرح هذا الوضع إشكالية مرتبطة أيضا بمقتضيات الفصل 42 من قانون المسطرة الجنائية، الذي يؤكد على ضرورة تجنب كل ما من شأنه التأثير على نزاهة التحقيق أو خلق شبهة في حياد الجهات المكلفة به.
الأكثر إثارة للجدل، حسب ما يتداول داخل الأوساط المهنية، هو أن نتائج هذه التحقيقات ترتب عنها اتخاذ قرارات تأديبية في حق بعض الأطر والعاملين، في حين يؤكد مقربون من الملف أن عددا منهم لا علاقة لهم بالتجاوزات الميدانية أو التقنية التي سجلت خلال تلك المرحلة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات ثقيلة، هل تحولت تقارير التفتيش إلى أداة لتصفية المسؤوليات بدل تحديدها بدقة؟ وهل تم توريط مؤسسات عمومية، من بينها الوكالة الوطنية للمياه والغابات، في ملفات تم فيها تحميل المسؤولية لأطراف لا صلة لها بوقائع الخرق المفترضة؟
بين حماية الثروة الغابوية وضمان نزاهة آليات الرقابة، تبدو قضية غابة الأرز بتامجيلت مثالا صارخا على تعقيدات الحكامة في تدبير الموارد الطبيعية، فالغابة ليست مجرد مجال بيئي، بل ثروة وطنية تتطلب أعلى درجات الشفافية والمساءلة.
يبقى اليوم، السؤال الذي يطرحه المتتبعون بإلحاح، هو هل ستفتح هذه القضية من جديد لكشف كل الملابسات؟ أم ستظل تفاصيلها حبيسة التقارير الإدارية التي لا ترى طريقها إلى الرأي العام؟
قم بكتابة اول تعليق