في أمسية استثنائية من برنامج “ساعة شعر” في حلقته الثالثة عشرة، حلّ الشاعر والناقد المقتدر الدكتور عبدالرحمان بوعلي ضيفاً، ليشرع نوافذ قلبه على ملكوت الكلمة، ويشارك الحضور نبضاتٍ شعرية تمزج بين الوجدان الذاتي والانكسار القومي. لم تكن الأمسية مجرد إلقاء شعري، بل كانت رحلة في ذاكرة القصيدة المغربية وتحولاتها، استعاد فيها بوعلي وهج البدايات وألق الجوائز.
نشيد الضياع وصوت الاغتراب استهل الدكتور بوعلي اللقاء بمقطوعات من “أنشودة ضائعة”، حيث تجلى أسلوبه المسكون بروح الاغتراب، قائلاً: “سلاماً فإني غريب اللسان، غريب المكان، غريب الزمان”. هذا الشعور بالوحدة والترحال في “ملكوت الأمان” يعكس تجربة إنسانية عميقة ترى في القصيدة ملاذاً من واقعٍ مشوبٍ بالخيبات. وعندما سُئل عن ظاهرة الحزن التي تخيم على شعره، أكد بوعلي أنها ليست خياراً بقدر ما هي استجابة طبيعية لواقع سياسي واجتماعي عربي مليء بالانتكاسات منذ نكبة 1948.
سلامٌ على رملٍ أضاعَ خطايَ في ملكوتِ الزمانِ غريبٌ أنا.. واللغةُ منفى، والمدى جرحٌ قديمٌ لا ينامُ أسافرُ في دمي.. والريحُ تعزفُ لوعةَ الثكلى وتتركُني وحيداً.. ألمُّ شتاتَ روحي في الزحامِ
يوسف المغربي.. قناع الذات والوطن توقف اللقاء طويلاً عند ديوانه وقصيدته الشهيرة “تحولات يوسف المغربي”، التي نالت جائزة البابطين لأفضل قصيدة. كشف بوعلي بصدقٍ أن رمز “يوسف” لم يكن مجرد استحضار ديني، بل كان “قناعاً” استخدمه في فترة كان فيها “محاصراً داخل كلية الآداب”. يوسف عنده هو الفرد المحاصر بإخوته أو بمجتمعه، وهو أيضاً رمز لفلسطين في علاقتها بمحيطها العربي.
مدائن الشعر ووجوه الرفاق لم ينسَ بوعلي في بوحه مدنه الملهمة؛ فأنشد للدار البيضاء التي “تتهجى نظارتها حين تتوجها الشمس”، ولفاس التي دعا فيها الشاعر محمد السرغيني للاحتفاء بالمساء المرجّع. كما استحضر أسماءً وازنة في مساره، مثل علوي الهاشمي وحسن الأمراني، معبراً عن قسوة أن نبني لغةً ونفجرها في ليلٍ طويل والناس نيام.
يا يوسفَ المغربِ.. البئرُ عميقةٌ وإخوتُكَ الغيومُ تُحاصِرُكَ الكلماتُ في ممراتِ الذهولِ.. فتُشرِقُ القصيدةُ تمشي وحيداً.. تحملُ فاسَ والبيضاءَ في نبضِ الحروفِ وتكتُبُ للذينَ مَضوا.. وللذينَ سيعبُرونَ غداً جدارَ الحقيقةِ
من نقد الرواية إلى كتابتها وفي مداخلةٍ لافتة، سُئل بوعلي -وهو الناقد الروائي- عن غياب إبداعه السردي، فكشف عن فكرة تراوده منذ سنوات لكتابة “ثلاثية” تؤرخ لتاريخ المغرب والجهة الشرقية، وتحديداً فترة الاستعمار والمقاومة وناس وجدة، بعيداً عن الروايات “التافهة” التي لا تقدم شيئاً.
اختتمت “ساعة شعر” بترديد أصداء قصائده التي تنزف واقعاً، تاركةً الجمهور في حالة من الانتشاء الموسيقي، حيث امتزج صوت الشاعر الرخيم بصدق الكلمة، مؤكداً أن الشعر سيظل “ديوان العرب” مهما تحولت الأجناس الأدبية.
كيف فازت قصيدة “تحولات يوسف المغربي” بجائزة البابطين؟
فازت قصيدة “تحولات يوسف المغربي” للشاعر الدكتور عبدالرحمان بوعلي بجائزة البابطين لأفضل قصيدة بعد رحلة بدأت بكتابتها على مراحل ونشرها مجزأة في جريدة “الاتحاد الاشتراكي”. وتعود قصة فوزها إلى خاطر أو إحساس مفاجئ راود الشاعر وهو في بيته بأن هذه القصيدة تحديداً ستنال الجائزة، رغم أنها كانت منشورة سابقاً.
ولتحقيق ذلك، قام الدكتور بوعلي بالخطوات التالية:
- التنقيح والإعداد: جلس الشاعر لمدة يومين يعيد تنقيح القصيدة وصياغتها النهائية.
- الطباعة السريعة: سافر إلى مدينة بركان ليطبع القصيدة في مطبعة صديق له، حيث أُنجزت عملية الطبع في ظرف ثلاثة أو أربعة أيام فقط لتصدر في شكل كتيب أو ديوان صغير.
- التقديم للجائزة: أرسل الشاعر أربع نسخ من القصيدة المطبوعة إلى مؤسسة البابطين.
- إعلان الفوز: بعد فترة من التحكيم، تلقى اتصالاً هاتفياً من الأمين العام للجائزة يبلغه بأن المحكمين أجمعوا على فوز قصيدته بجائزة أفضل قصيدة عربية.
وقد أوضح الشاعر أن فوزها جاء في فئة “أفضل قصيدة” وليس “أفضل ديوان”، لأن شروط الجائزة كانت تسمح بمشاركة القصائد المنشورة سواء في كتاب أو مجلة أو جريدة. كما كشف أن استخدامه لرمز “يوسف” في القصيدة كان بمثابة “قناع” يعبر عن تجربته الشخصية حين كان “محاصراً” داخل الكلية والجامعة في تلك الفترة.
كيف فازت قصيدة “تحولات يوسف المغربي” بجائزة البابطين؟
يربط الشاعر الدكتور عبدالرحمان بوعلي بين ظاهرة الحزن والواقع السياسي العربي انطلاقاً من رؤية نقدية وإبداعية ترى أن الشعر هو انعكاس للظروف المحيطة، ويمكن تلخيص أسباب هذا الربط حسب ما ورد في المصادر فيما يلي:
- تأثير الانتكاسات التاريخية: يرى الشاعر أن التاريخ العربي الحديث “تاريخ مشوب بالانتكاسات”، وهذا الواقع يفرض على الشاعر التعبير عن هذه الخيبات من خلال إظهار الحزن في قصائده.
- نقطة التحول (عام 1948): يشير بوعلي إلى أن هذا الحزن ميز الشعر العربي الحديث تحديداً بعد عام 1948، وهو عام ضياع فلسطين (النكبة)، حيث دخلت المجتمعات العربية بعدها في مراحل من “الاستعمار والاستبداد”، مما أنتج هذا النوع من الشعر الحزين مقارنة بالشعر التقليدي الذي كان يطفح بالفرح.
- الاستجابة التلقائية للواقع: يؤكد الشاعر أن الحزن ليس خياراً يتحكم فيه، بل هو “شيء طبيعي” ونتاج للعلاقة بالواقع العام والخاص الذي يعيشه الشاعر؛ فالمجتمعات العربية الحديثة أفرزت واقعاً سياسياً واجتماعياً مأزوماً جعل الشعراء (مثل السياب ونازك الملائكة والحيدري) يمتحون من ظاهرة الحزن.
- بنية الشهادة والاستشهاد: يوضح النقاش في المصادر أن قصائد هذا الجيل مسكونة بـ “بنية الشهادة على الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في الوطن العربي”، وهي تعبر عن رغبة مشتعلة في التغيير، مما يجعل القصيدة “تنزف نزفاً حقيقياً” تأثراً بمرارة هذا الواقع.
- الشعور بالاغتراب: يتجلى هذا الربط أيضاً في شعور الشاعر بـ “الغربة” (غريب اللسان والمكان والزمان)، وهو شعور ناتج عن ضياع البلاد وتحولها إلى “ظلال وصداها إلى نحول”، مما يجعل القصائد تتعاورها الأحزان.
باختصار، يعتبر الشاعر أن الحزن في قصائده هو صدى للألم القومي والسياسي العربي، حيث لا يمكن فصل مشاعر الشاعر الذاتية عن محيطه المليء بالخيبات والانتكاسات منذ النكبة.
عن تجربة الشاعر مع رمز يوسف كقناع للمثقف
تعد تجربة الشاعر الدكتور عبدالرحمان بوعلي مع رمز “يوسف” تجربة غنية ومعقدة، حيث وظفه كـ “قناع” أدبي ليعبر من خلاله عن أبعاد ذاتية، ومؤسساتية، وقومية، وذلك وفق ما ورد في المصادر:
1. رمزية الفرد المحاصر والمجتمع: اختار بوعلي رمز يوسف (عليه السلام) لكونه يمثل “رمز الفرد الإنسان” في مواجهة محيطه. ويرى الشاعر أن قصة يوسف متميزة عن غيرها من الرموز (كأيوب أو عيسى) لارتباطها الوثيق بـ “الإخوة”؛ فالوقائع التي تعرض لها يوسف من طرد وتآمر هي وقائع يمكن أن تحدث لأي إنسان، سواء مع إخوته البيولوجيين أو مع المجتمع الذي يحيط به.
2. القناع الذاتي: المثقف في مواجهة الحصار الأكاديمي: كشف الدكتور بوعلي لأول مرة أن دافعه الشخصي لاستعمال هذا القناع كان يعكس واقعاً عاشه، حيث كان في تلك الفترة “محاصراً داخل كلية الآداب وداخل الجامعة”. وذكر حادثة مؤلمة تمثلت في إيقاف إحدى محاضراته من قبل جماعة معينة رغم امتلاء المدرج، مما جعله يستشعر حالة “يوسف” الذي تآمر عليه إخوته، فقام بصياغة هذا الشعور في قصيدته “تحولات يوسف المغربي”، جاعلاً من يوسف شخصية مغربية تعبر عن محنته كأكاديمي ومثقف.
3. البعد القومي والسياسي: إلى جانب البعد الذاتي، تقاطع استخدام بوعلي لرمز يوسف مع دلالات قومية؛ فهو يشير إلى استخدام الشاعر محمود درويش لذات الرمز للدلالة على “فلسطين” وعلاقتها بـ “إخوتها العرب”. فالمثقف هنا (يوسف) لا يعاني فقط من حصار ضيق، بل يمثل أيضاً همَّ الوطن المغدور من ذوي القربى.
4. النجاح الفني والاعتراف: هذه التجربة الصادقة التي مزجت بين الألم الشخصي والرمز التاريخي كانت هي السبب وراء نيل قصيدته جائزة البابطين لأفضل قصيدة عربية؛ حيث أجمع المحكمون على قوتها وتعبيريتها العالية، بعد أن كان الشاعر قد نشرها على مراحل في جريدة “الاتحاد الاشتراكي” قبل جمعها وتنقيحها في ديوان.
باختصار، يمثل يوسف في تجربة بوعلي المثقف “المغترب” والمحاصر الذي يحاول الصمود في وجه “إخوة” الزمن الحديث، سواء كانوا زملاء في المؤسسة أو محيطاً اجتماعياً وسياسياً خانقاً.
ما هي ملامح الثلاثية الروائية التي يطمح بوعلي لكتابتها؟
يطمح الدكتور عبدالرحمان بوعلي لكتابة ثلاثية روائية تعتمل في ذهنه منذ أكثر من عشر أو خمس عشرة سنة، وهي فكرة يهدف من خلالها إلى تقديم عمل سردي يختلف عن الروايات التي وصفها بـ “التافهة” والتي لا تقدم إضافة حقيقية.
ويمكن تلخيص أبرز ملامح هذه الثلاثية الروائية المنشودة حسب ما ورد في المصادر فيما يلي:
- التأريخ للمجال والزمن: تهدف الثلاثية إلى التأريخ لـ تاريخ المغرب عامة، والجهة الشرقية خاصة، مع تركيز دقيق على مدينة وجدة وناسها.
- رصد التحولات السياسية والاجتماعية: يطمح بوعلي لتناول مرحلة الاستعمار والمقاومة، والوقائع التاريخية المهمة التي عاشتها المنطقة والناس في تلك الفترة.
- التوثيق السوسيولوجي والتقاليد: يركز في مشروعه على إبراز تقاليد ناس الجهة الشرقية ونمط عيشهم، بعيداً عن السرد السطحي.
- نقد الواقع المعاصر: تتضمن ملامح مشروعه رصداً لما أسماه “الهجوم المالي لبعض الديناصورات المنقرضة” على الحياة في المنطقة، مما يشير إلى بعد نقدي للتحولات الاقتصادية والاجتماعية.
- البعد القيمي والشهادة: يرى الشاعر أن هناك أحداثاً ووقائع مهمة جداً في تاريخ المغرب ينبغي على الروائيين الاهتمام بها وكتابتها كنوع من الشهادة على العصر.
وعلى الرغم من وضوح هذه المعالم في مخيلة الشاعر والناقد بوعلي، إلا أنه ذكر بصراحة أنه يعتبر نفسه “كسولاً” في إنجاز هذا العمل الذي لا يزال مشروعاً يراوده منذ سنوات طويلة.
قم بكتابة اول تعليق