حين يُساء فهم الرمز

الرياضة بين النبل الأخلاقي وسقوط الوعي، ماذا قتل اللاعب فعلًا؟

بقلم ذ. مصطفى صغيري، دكتور في القانون العام والعلوم السياسية، باحث في الاقتصاد الجديد والتنمية.

حين يُساء فهم الرمز插图

في كرة القدم، كما في السياسة، ليست كل حركة بريئة، وليست كل لحظة فرح معفاة من المحاسبة الأخلاقية، ما وقع عقب هدف الفوز في مباراة الجزائر وجمهورية الكونغو الديمقراطية لم يكن مجرد “احتفال حادّ”، بل كان فعلًا رمزيًا فاضحًا كشف هشاشة الوعي التاريخي لدى بعض من يُفترض أنهم سفراء للقيم الرياضية، فالمشجع الكونغولي الذي وُجّهت إليه الإيماءة لم يكن فردًا عاديًا في المدرجات، ولم يكن يحمل صورة أو لافتة؛ كان يجسّد باتريس لومومبا بلباسه، بملامحه، بوقوفه الصامت طيلة البطولة، كان يمارس فعل مقاومة هادئة ضد النسيان، ويذكّر إفريقيا—من المدرج—أن التحرر لم يكتمل، وأن الاغتيال السياسي لم يكن حدثًا عابرًا بل بنية مستمرة بأشكال جديدة.

حين توجّه اللاعب بحركة تُحاكي “القتل” أو الإلغاء، لم يكن يوجّهها إلى شخص، بل إلى رمز إفريقي مؤسس، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه، فالنتيجة واحدة: احتفال مبني على إعدام المعنى، وهنا بالضبط تتحول الرياضة من مساحة تنافس شريف إلى مرآة تعكس بؤس التكوين، وفراغ التربية، وانتصار الغريزة على الوعي.

الخطير في الأمر ليس الحركة في ذاتها، بل ما تكشفه: أن هناك من لا يعرف لومومبا، ولا يدرك لماذا اغتيل، ولا يفهم أن إفريقيا دفعت ثمن استقلالها دمًا ووعياً، لا ضجيجًا وحركات جسدية، هذا الجهل ليس شخصيًا، بل مؤسسي، لأن التعليم الذي لا يدرّس التاريخ التحرري، يفرز أبطالًا بلا ذاكرة، ونجوماً بلا بوصلة أخلاقية.

إن إفريقيا اليوم لا تعيش صراع البنادق كما في زمن لومومبا، لكنها تعيش صراعًا أخطر: صراع المعنى. صراع التعليم مقابل التجهيل، الوعي مقابل الاستعراض، البناء مقابل التبخيس. وحين يُختزل التاريخ في لحظة انفعال، ويُستبدل الرمز التحرري بحركة جسدية عدائية، فإننا نكون أمام أحد مظاهر استمرار الهيمنة، ولكن بأدوات جديدة: هيمنة الجهل على الذاكرة.

وليس من باب الصدفة أن رموز إفريقيا الكبرى—من لومومبا إلى نيلسون مانديلا، ومن عبد الكريم الخطابي إلى علال الفاسي، وغيرهم—كانوا جميعًا أبناء التعلم قبل المواجهة، والوعي قبل الفعل، لم يكونوا دعاة كراهية، بل بناة كرامة. ولم ينتصروا بإلغاء الآخر، بل بإعلاء الإنسان.

حين يُساء فهم الرمز插图1

إن اللاعب، بوصفه شخصية عمومية، ليس مجرد فرد حر في انفعاله، بل هو حامل لرسائل، شاء أم أبى. والاحتفال بالهدف لا يُبرر السقوط في رمزية الإقصاء أو الإلغاء، لأن الرياضة، حين تبلغ ذروتها، يجب أن تكون احتفالًا بالحياة لا تمثيلًا للموت، واعترافًا بالآخر لا تشييئًا له.

لقد مات لومومبا لأنّه آمن بإفريقيا موحّدة، حرّة، متعلّمة، وما حدث في تلك اللحظة العابرة هو عكس ذلك تمامًا: إفريقيا تُهان باسم الانتصار، وتُختزل في رد فعل جسدي فارغ، أي مفارقة هذه؟ أن يُقتل الرمز مرة ثانية، هذه المرة على مرأى من القارة كلها، وتحت تصفيق جزء من الجمهور.

لا يمكن تبرير هذا السلوك بالضغط النفسي أو الحماس، الحماس بلا وعي هو عنف مؤجل، والرياضة، حين تنفصل عن التربية، تصبح أخطر من السياسة، لأنها تُطبّع السلوك المشين وتحوّله إلى فرجة، فاللاعب ليس فردًا حرًا فقط؛ هو نموذج، وحين يخطئ النموذج، يصبح الخطأ مُعديًا.

إن إفريقيا التي أنجبت محمد الخامس، مانديلا، عبد الكريم الخطابي، وعلال الفاسي، وغيرهم… لا يمكن أن تُختزل في إيماءة سوقية، هؤلاء لم يصنعوا التاريخ بإلغاء الآخر، بل بتعليمه، ولم يحتفلوا بالانتصار بإهانة الرموز، بل بتحرير الإنسان.

القضية إذن ليست مباراة ولا هدفًا قاتلًا،القضية هي سؤال مؤلم: هل نريد قارة تفوز ولا تفهم؟ أم قارة تفهم حتى حين تخسر؟ لأن الخسارة الأخلاقية أخطر من أي هزيمة رياضية.

ختامًا، ما قُتل في تلك اللحظة لم يكن مشجعًا، ولم يكن لومومبا وحده؛ ما كاد يُقتل هو معنى إفريقيا الواعية، وإذا لم نمتلك الجرأة لنقول ذلك اليوم، فسندفع ثمن الصمت غدًا، في الملاعب، وفي المدارس، وفي السياسة أيضًا.

فإفريقيا اليوم لا تحتاج إلى انتصارات تُبنى على إهانة رموزها، بل إلى وعي يُحوّل كل لحظة نجاح إلى درس في الرقي، فالنصر الحقيقي ليس ما يُسجَّل في لوحة النتائج، بل ما يُحفر في الضمير الجماعي، ومن لم يتعلم كيف يحترم رموز التحرر، لن يفهم أبدًا معنى الحرية، ولو فاز بكل المباريات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى