حين تسقط العواصم التي راهنت على الانفصال… نهاية محور الأوهام والدعم المموه لبوليساريو

المصطفى العياش رئيس المنظمة المغربية للمواطنة والدفاع عن الوحدة الترابية

من كراكاس إلى دمشق، ومن الشعارات إلى التقييم الدولي: كيف خسر داعمو بوليساريو رهاناتهم واحدًا تلو الآخر، ولماذا يختار المغرب الاستقرار ووحدة التراب فوق كل اعتبار

لم يكن ما جرى في فنزويلا حدثًا معزولًا عن السياق الدولي العام، بقدر ما شكّل لحظة كاشفة لمسار طويل من تفكك محور سياسي-إيديولوجي ظل لعقود يمنح بوليساريو عمقًا خارجيًا، ويغذي وهمًا انفصاليًا وُلد في زمن الحرب الباردة، واستمر بفعل التحالفات لا بفعل الوقائع.
البوليفارية… من خطاب تحرري إلى أداة صراع

في صيغتها المعاصرة، تحولت “البوليفارية” — المستلهمة اسمًا من سيمون بوليفار — إلى إيديولوجيا سياسية راديكالية، قامت على معاداة الغرب، وتصدير الأزمات، وتوظيف قضايا بعيدة جغرافيًا عن أمريكا اللاتينية في معارك رمزية. ومن داخل هذا المنطق، جعلت فنزويلا من دعم بوليساريو خيارًا ثابتًا، لا لاعتبارات قانونية أو تاريخية، بل باعتباره ورقة مواجهة سياسية في صراع أوسع مع الولايات المتحدة وحلفائها، وفي مقدمتهم المغرب.
غير أن انهيار هذا النموذج، مع سقوط آخر قلاعه، كشف هشاشة التحالفات التي بُنيت على الشعارات أكثر مما بُنيت على مصالح الدول واستقرارها.

الجزائر… من “المراقِب” إلى طرف التقييم

في واشنطن، لا تُقرأ النزاعات كما تُقدَّم في البيانات الرسمية. ما يُهم هو السلوك الفعلي. وبهذا المعيار، لم تعد الجزائر تُصنّف كدولة “ملاحِظة” في ملف الصحراء، بل كفاعل مباشر يُدير ويُموّل ويُؤطّر مسار التعطيل. هذا التحول في القراءة حاضر في التقارير المغلقة، حيث تُقاس الكلفة السياسية للاستمرار في نزاع مُجمَّد، وتُحدَّد مسؤوليات الإطالة فيه.

الرئاسة الجزائرية، راهنت طويلاً على الزمن، وعلى استنزاف الخصم، وعلى أن تعدد الأزمات العالمية سيُبقي ملف الصحراء في الهامش. غير أن التحولات الأخيرة تُظهر العكس تمامًا: الملف لم يخرج من جدول الأعمال، بل صعد إلى مستوى التقييم النهائي، حيث يُقاس من يُسهم في الحل ومن يُعرقله.

التقدم والاشتراكية… بين الشعارات والمصلحة الوطنية

المفارقة اللافتة، أن حزب التقدم والاشتراكية كان أول من أدان اعتقال مادورو واعتبره “عدوانًا إمبرياليًا”، من دون أن يُشير إلى عداء الرئيس الفنزويلي الصريح للوحدة الترابية للمغرب، ولا إلى دوره في دعم بوليساريو كطرف موازٍ للسيادة الوطنية.

هذا الموقف يطرح سؤالًا جوهريًا: هل التضامن الأممي يجب أن يُفهم بمعزل عن مصالح المغرب الحيوية، أم أن الدفاع عن وحدة التراب والوطنية يتقدم على أي شعارات أيديولوجية؟ الواقع أن المغاربة من طنجة إلى الكويرة، يرفضون استيراد معارك الآخرين، ويضعون قضيتهم الأولى، الصحراء المغربية، فوق كل اعتبار.

تشابه المسارات… دون الحاجة إلى الأسماء

التجارب الحديثة تُبيّن أن الأنظمة التي تراكم الخصومات، وتستثمر في نزاعات لا تمسّ أمنها المباشر، تجد نفسها فجأة أمام لحظة مراجعة قسرية. ليس لأن العالم يستهدفها، بل لأن العالم لم يعد يتحمّل كلفة الأوهام. الرهان على تحالفات مأزومة، من كراكاس إلى طهران، لم يعد مصدر قوة، بل عنصر ضغط إضافي في ميزان المصالح الدولية.

الداخل المغربي… ثوابت لا تقبل الاستيراد

وسط هذه التحولات، يظهر نقاش داخلي يفرض نفسه، عقب بيانات ومواقف سعت إلى استيراد صراعات بعيدة عن أولويات المغاربة. فالدفاع عن نظام كان يعادي المغرب في وحدته الترابية، ويمنح الشرعية لـ بوليساريو، لا يمكن تبريره بشعارات التضامن الأممي، كما فعل التقدم والاشتراكية…المغاربة واضحون في أولوياتهم: الاستقرار، السيادة، والوحدة الترابية، وليس الانغماس في أزمات الآخرين.

منطق الدولة ينتصر

ما ينكشف اليوم، هو أن زمن الاستثمار في النزاعات انتهى. الدول التي اختارت الواقعية السياسية تحجز مكانها في المستقبل، والدول التي تصر على العناد تُراكم الملفات. والمغرب، بخياراته الهادئة، وبديبلوماسيته المتزنة، وبمقترح الحكم الذاتي، اختار منذ زمن أن يكون في صف الحل؛ أما الذين يراهنون على إطالة الأزمة، فسيكتشفون أن العالم لا يُفاجئ أحدًا بالسقوط، بل يُفاجئ فقط بتوقيت السقوط.

بوليساريو… من وعود الدعم الخارجي إلى عزلة متزايدة

تراكمت السنوات على بوليساريو وهمٌ ظل يعتقد أنه قادر على تأمين دعمه من الخارج، خصوصًا من فنزويلا ولبنان وإيران، بالإضافة إلى الجزائر. غير أن الأحداث الأخيرة، من سقوط مادورو في كراكاس إلى الضربات الموجهة لحزب الله وإيران، تظهر أن شبكة الدعم الخارجي للجبهة بدأت تنهار بسرعة مذهلة. كل رهان على الانتهازية السياسية للمحاور الإقليمية والدولية، أصبح اليوم غير مضمون النتائج، ما يضع بوليساريو أمام أزمة وجودية حقيقية: فقدان العمق الدولي يعني فقدان الشرعية السياسية والمالية التي لطالما اعتمدت عليها.

تبون بين الضغط الدولي ومصير مادورو

زيارة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو للجزائر، واستقباله من قبل الرئيس عبد المجيد تبون، لم تكن مجرد حدث دبلوماسي، بل إشارة واضحة للضغوط الدولية التي قد تواجهها الجزائر بسبب دعمها لبوليساريو. مادورو، الذي انتهى به المطاف في قبضة القوات الأمريكية، يُعتبر اليوم درسًا استخباراتيًا صارخًا: أي رهانات على تحالفات خارجية أو دعم لجماعات انفصالية يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة شخصية وسياسية للقيادات التي تراهن عليها.

تبون، في هذا السياق، أصبح موضع متابعة دقيقة من واشنطن ومجتمع الاستخبارات الدولي، إذ أن أي استمرار في دعم بوليساريو قد يجعله هدفًا مباشرًا للضغط السياسي والدبلوماسي المكثف، وربما المواجهة الدولية الصارمة، كما حدث مع مادورو في فنزويلا. المغرب، بدوره، يراقب الوضع بحذر ويؤكد أن أي تصعيد أو تكرار سيناريو مادورو سيكون له انعكاسات بالغة على استقرار الجزائر الداخلي وعلى سمعة قيادتها في المنطقة.

سوريا… سقوط الأسد ونهاية دعم بوليساريو في الشرق الأوسط

النظام السوري بقي لعقود داعمًا لـ بوليساريو، مستفيدًا من وجود عناصر الجبهة كمرتزقة ضمن قواته، خاصة في جنوب سوريا وحول هضبة الجولان. سقوط نظام بشار الأسد في دجنبر 2024 بعد حرب أهلية طويلة وعنيفة، كشف هشاشة هذا الدعم. المغرب كان منذ البداية واضحًا في مواقفه، أغلق سفارته في دمشق منذ 2012، وواصل الضغط الدبلوماسي داخل الأمم المتحدة، ما مهد الطريق للاعتراف بالسلطات الانتقالية في سوريا ولقطع أي امتداد للجبهة في المنطقة.

ليبيا… نهاية عهد القذافي وصمت الممولين

ليبيا كانت محطة أساسية في تاريخ بوليساريو, حيث لعب معمر القذافي دور الممول الأول وصانع “الدولة الموازية” للجبهة خلال فترة حرب الصحراء. سقوط القذافي في 2011 لم يكن مجرد تغيير نظامي، بل كان نقطة التحول الكبرى لسقوط الدعم المالي والسياسي للجبهة في شمال إفريقيا. كل محاولات استمرار النفوذ الليبي انتهت مع الانقسام الداخلي والفوضى التي أعقبت الثورة، ما جعل أي مشروع دعم خارجي للجبهة مهددًا وغير مستقر.

الموقف المغربي والدولي: الحكم الذاتي هو الحل الواقعي
المغرب حافظ على ثباته الدبلوماسي:

— الولايات المتحدة الأمريكية أكدت دعمها للسيادة المغربية على الصحراء.

— أكثر من 113 دولة أعلنت دعمها لمقترح الحكم الذاتي.
عشرات الدول فتحت قنصلياتها في العيون والداخلة، في اعتراف عملي بالسيادة المغربية.
هذا التراكم يعكس وضوح الرؤية المغربية، ويضع أي دعم خارجي لبوليساريو في مأزق حقيقي.

فبين سقوط حلفاء بوليساريو، تراجع الدعم الدولي، وصعود المقاربة المغربية الواقعية، يظهر أن زمن الأوهام الانفصالية يقترب من نهايته. المغرب، بثباته السياسي، ودبلوماسيته المتزنة، ودعم شعبه، يواصل ترسيخ معادلة واضحة:
لا حل خارج السيادة المغربية، لا استقرار دون الحكم الذاتي، ولا مستقبل لمشاريع معزولة عن منطق التاريخ والجغرافيا.

رسالة مغربية موحدة

في ظل هذه التحولات الدولية، يصبح من الضروري لكل المغاربة، من طنجة إلى الكويرة، أن يقفوا صفًا واحدًا وراء وحدة التراب الوطني ومقترح الحكم الذاتي. المواقف غير المسؤولة لبعض الأحزاب، مثل حزب التقدم والاشتراكية الذي حاول تبرير دعم نظام فنزويلي معادي للمغرب ويمنح الشرعية لبوليساريو، لا تعكس سوى تضليل سياسي قد يضر بالوطن.

المرحلة اليوم تتطلب وعيًا جماعيًا ومسؤولية مدنية، والتأكيد على أن المغاربة لن يسمحوا باستيراد أزمات الآخرين على حساب قضيتهم الوطنية الأولى. كل موقف مدني يعكس قوة موقف المغرب الراسخ في الدفاع عن سيادته واستقراره، ويرسل رسالة قوية إلى العالم أن القضية الوطنية ليست للمساومة ولا للتوظيف السياسي.

المغاربة مطالبون باليقظة والحضور الدائم في المشهد الوطني والدولي، لإيصال رسالة واضحة: من يدعم مادورو وبوليساريو، يبتعد عن مصالح المغرب وسيادته، وسيواجه رفضًا جماهيريًا صريحًا.

المقال يعبر عن رأي كاتبه، وليس بالضرورة عن رأي هيئة التحرير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى