جمال أزراغيد: حارس الفراشة وسادن “غنج المجاز” في ملكوت القصيدة

في مشهد شعري يموج بالتحولات، يبرز اسم الشاعر جمال أزراغيد كأحد الأصوات التي تحفر عميقاً في وجدان الكلمة، ممتطياً صهوة قصيدة النثر ليصيغ عالماً لا يعترف بالحدود بين الذات والكون. من خلال تجربته التي استضافها برنامج “ساعة شعر”، يتبدى أزراغيد ليس فقط كشاعر، بل كمصور بالكلمات يستلهم من الفن التشكيلي أدواته ليبني صوراً شعرية تدهش “العين” قبل “الأذن”.

من سلطة السمع إلى رحابة العين يؤمن أزراغيد أن النص الحديث قد انتقل من “ثقافة الشفاهية” والارتهان للإيقاع الصوتي الصاخب إلى “ذائقة القراءة”، حيث تصبح العين هي الأداة التي تؤول وتفكك الرموز والأسطورة. هو لا يسعى لاستنساخ البلاغة التقليدية القائمة على التشبيه المباشر، بل ينحاز إلى الرمز والأسطورة كأدوات حداثية تمنح النص حياة متجددة وقراءات متعددة.

ويستلهم أزراغيد في قصائده هذا التدفق، كما في قوله:

“لا أرضَ إلا أنتِ.. وبكِ أشهدُ أنَّ الصدى يتوحدُ

عيناكِ بوجنةِ أرضٍ تقايضُ ما لديكِ من احتراقٍ.. بغيمةٍ تسقطُ عشباً شيقَ الظلالِ”.

أنسنة الكون وكوننة الشاعر تتسم تجربة أزراغيد بخاصية فريدة أطلق عليها النقاد “أنسنة الكون”، حيث تنبض معطيات الطبيعة بالمشاعر الإنسانية، وفي المقابل “يتكونن” الشاعر ليصبح ريحاً أو مطراً أو سحابة. هذا التبادل الوجودي يتجلى في دواوينه مثل “حوريات بقدم الكون” و**”حين يتجرعني صوت الكون”**، حيث يغدو الجسد مملكة للروح بلا جند، والسماء غطاءً خفيفاً للرؤى.

يقول في إحدى شطحاته الشعرية:

“حين يتجرعُني صوتُ الكونِ.. راحةُ كفي سماءٌ أملؤها بالبحارِ

لكنْ لا بحرَ أعارني موجاً أركبُهُفي اتجاهِ اليقينِ المشتتِ على أوراقِ الشجرِ”.

الفن التشكيلي: المنجم الجمالي لا يمكن فصل شعر أزراغيد عن خلفيته في الفن التشكيلي؛ فقد بدأ حياته رساماً قبل أن تسرقه الكلمات، مما جعل قصيدته تعتمد على “المشهدية” وحركة الزمان داخل اللوحة النصية. هو يبحث عن التميز وسط “الأصوات الغثة”، مؤكداً أن وظيفة الشعر ليست تبيان جماليات اللغة فحسب، بل تغيير الإنسان ودفعه لمراجعة واقعه المرير واستعادة إنسانيته المفقودة.

ليليت والتمرد الأنثوي في استحضاره للأسطورة، تبرز “ليليت” كرمز للتمرد والبحث عن فواكه الوجود في بلاد تهجرها الحدود. ومن خلالها، يمرر الشاعر رؤيته للحرية والارتحال نحو ربيع شهي يلقحه النحل بماء الغد.

ويختم أزراغيد رؤيته بالتأكيد على أن قصيدة النثر، رغم صعوبتها التي جعلت نقاداً كباراً يتهيبون اقتحامها، تظل هي الأفق المفتوح للاجتهاد والتجديد، بعيداً عن الرتابة والتكرار.

“أنا ظلٌّ غرستْهُ الريحُ في ضفافِ نهرٍ يهدهدُ عطشي الحزينَ.. يرقشُني بأنفاسٍ تعاشرُ روحي

على شفا فرحٍ يبهجُ خطواتي في الممرِ إلى القيامة”.

إن جمال أزراغيد، بهذا النفس الشعري العميق، يظل صوتاً وريثاً لتجارب كبار المبدعين في المنطقة الشرقية، لكن بخصوصية جمالية تجعل من قصيدته “مرفأً لأجنحة الكلمات” التي أنهكها التحليق في إمبراطورية الظلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!