لم تعد قضية دعم الأندية الرياضية بمدينة جرسيف مجرد اختلاف في الأرقام، بل تحولت إلى عنوان بارز لاختلال عميق في منطق التصنيف والتوزيع، بعد أن كشفت شكاية رسمية رفعها المكتب المسير لناديي المواهب الرياضي والمشرق الرياضي عن معطيات تطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة تدبير المال العمومي المخصص للرياضة.
ففي دورة الخامس من فبراير 2026، صادق مجلس جماعة جرسيف على منح 15.000 درهم لنادي المواهب، و10.000 درهم لنادي المشرق، دعم وُصف رسميا بأنه خطوة إيجابية، لكنه عمليا لا يكفي حتى لتغطية جزء يسير من مصاريف التنقل والتحكيم لمقابلتين رياضيتن ضمن بطولة عصبة الشرق – فئة الكبار.
السؤال الجوهري ليس في كون الدعم ضعيفا فقط، بل في الأساس الذي بُني عليه هذا الضعف، إذ تم التعامل مع الناديين باعتبارهما جمعيتين نفعيتين، في حين أنهما ناديان قانونيان يمارسان نشاطا تنافسيا رسميا، ويمثلان جرسيف في منافسات جهوية، ويعتمدان بالكامل على أبناء المدينة، وهذا الخلط في التصنيف ليس تفصيلا إداريا، بل قرارا يترتب عنه تحديد سقف الدعم، وبالتالي التأثير المباشر على قدرة الناديين على الاستمرار.
أي منطق هذا الذي يساوي بين جمعية لا تمارس نشاطا تنافسيا رسميا، ونادٍ يتحمل مصاريف التحكيم، والتنقل داخل وخارج الإقليم، والتغذية، والتطبيب، والمعدات، وأجور الأطر التقنية، وتحفيزات اللاعبين؟ وأي عدالة في أن يطلب من أندية تمثل المدينة جهويا أن تنافس بميزانيات لا تتجاوز بضعة آلاف من الدراهم؟
الأكثر إثارة للجدل هو التفاوت الصارخ في مبالغ الدعم داخل نفس الإقليم ونفس القسم، أندية حظيت بـ50.000 درهم، وأخرى بـ15.000 درهم، بينما تستفيد أندية بمدن مجاورة، تمارس في نفس البطولة، من دعم يتراوح بين 150.000 و200.000 درهم. الفارق هنا ليس هامشيا، بل يعكس هوة مالية تؤثر مباشرة على شروط المنافسة.
إذا كانت المعايير واضحة، فلتعلن، وإذا كانت موضوعية، فلتشرح للرأي العام، أما إن كان الأمر مجرد تقديرات غير مضبوطة، فإن ذلك يمس بمبدأ تكافؤ الفرص، ويضعف الثقة في عدالة توزيع الدعم العمومي.
الأندية الرياضية ليست جمعيات موسمية، بل مؤسسات تأطيرية تشتغل طيلة السنة، هي خط دفاع أول ضد الانحراف والهدر، وهي واجهة المدينة في المحافل الجهوية، حين يترك تسييرها مرهونا بجيوب مسيريها، واستنزاف مواردهم الخاصة، فإن الرسالة تكون واضحة، الرياضة ليست أولوية.
الشكاية المرفوعة إلى عامل الإقليم لم تأتِ بلغة تصادمية، بل بلغة مؤسساتية مسؤولة، مطالِبة بتصحيح المعطيات، وإعادة النظر في قيمة الدعم، وتمكين الناديين من منحة تتناسب مع التزاماتهما الرسمية، لكن خلف هذه اللغة الهادئة، يبرز احتقان مشروع، هل يعقل أن تختزل سمعة مدينة وتمثيليتها الرياضية في دعم لا يغطي حتى تكاليف موسم واحد؟
الرهان اليوم يتجاوز 10 أو 15 ألف درهم، الرهان هو مصداقية تدبير الشأن الرياضي المحلي، ومدى احترام مبدأ العدالة المجالية داخل الإقليم، فإما فتح نقاش شفاف حول معايير الدعم، وإما استمرار منطق الأرقام الصمّاء الذي قد يدفع أندية إلى الانسحاب القسري أو التوقف.
وفي النهاية، حين تعجز الأندية عن إكمال الموسم، لن يخسر المسيرون فقط، بل ستخسر جرسيف صوتها الرياضي في البطولة، وسيُطرح السؤال المؤجل من جديد: من يتحمل مسؤولية إقصاء الرياضة من أولويات التنمية المحلية؟
قم بكتابة اول تعليق