جرادة – 08 مارس 2026

شهدت مدينة جرادة، بمناسبة تخليد اليوم العالمي للمرأة، ندوة علمية وازنة نُظمت بشراكة بين النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية وعمالة إقليم جرادة. اللقاء الذي احتضنته قاعة الاجتماعات، تميز بحضور نوعي رفيع المستوى، تقدمه السيد عامل إقليم جرادة، والسيد الكاتب العام للعمالة، ورئيس المجلس الإقليمي، والسيدة وكيلة الملك لدى المحكمة الابتدائية بجرادة. كما عرفت الندوة مشاركة واسعة لمسؤولي السلطات المحلية والقضائية، من بينهم رئيس المحكمة، ونقيب المحامين، وقادة الدرك الملكي والقوات المساعدة، إلى جانب المديرين الإقليميين لقطاعات الصحة والتعليم والشباب، وممثلي المجتمع المدني ووسائل الإعلام.


الكلمة الافتتاحية: تمكين المرأة مدخل للتنمية لا ترف حقوقي
افتتحت الأشغال بكلمة تأطيرية لـ السيدة وكيلة الملك لدى المحكمة الابتدائية بجرادة، أكدت فيها بصفة رسمية ومسؤولة أن النهوض بأوضاع المرأة المغربية يقع في صلب المشروع المجتمعي الديمقراطي الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس. وأوضحت أن تمكين المرأة ليس مجرد “ترف حقوقي”، بل هو ضرورة حتمية لتحقيق التنمية الشاملة، مستحضرة خطاب العرش لسنة 2022 الذي ربط كرامة المغرب بمشاركة النساء والرجال جنباً إلى جنب. كما شددت على دور النيابة العامة في التطبيق الصليم للقوانين الحامية للنساء، وتفعيل آليات التكفل بالضحايا في إطار مقاربة تشاركية.

الحماية القانونية: ترسانة تشريعية متطورة
في المداخلة الأولى، استعرض الأستاذ العباسي، نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بجرادة، تجليات الحماية القانونية للمرأة، مبرزاً مكتسبات دستور 2011 (الفصل 19 و30) التي كرست المساواة والمناصفة. وتوقف الأستاذ العباسي عند القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، مشيراً إلى أنه جرم أفعالاً جسيمة كالتحرش، والطرد من بيت الزوجية، والإكراه على الزواج، ورفع العقوبات في حالات معينة إلى المؤبد. كما عرج على مدونة الأسرة وقانون الأراضي السلالية (62.17) الذي منح المرأة القروية حق الانتفاع والمناصفة في استغلال الموارد.

المقاربة الشرعية: المرأة شقيقة الرجل في الأحكام
من جانبه، تناول الدكتور عبد العزيز سرغيني، رئيس المجلس العلمي المحلي بجرادة، وضعية المرأة من منظور الشريعة الإسلامية، مؤكداً أن الإسلام أنقذ المرأة من “ظلم الجاهلية” وجعلها شقيقة للرجل في الأحكام. وفكك الدكتور سرغيني “شبهة القوامة”، موضحاً أنها مسؤولية تنظيمية إشرافية قائمة على المودة والتشاور وليست أداة للتسلط. كما شدد على أن تعلم المرأة واجب شرعي لا يجوز منعه باسم “الغيرة” أو الأعراف الخاطئة، مستشهداً بالسيدة عائشة كنموذج للفقيهة المحدث.

المفارقة المغربية: فجوة بين النص القانوني والواقع الاقتصادي
وفي تحليل نقدي وعميق، طرح الدكتور بنطاهر الهاشمي، الأستاذ الجامعي ورئيس شبكة الاقتصاد التضامني، ما أسماه بـ “المفارقة المغربية”. وأشار إلى أنه رغم التطور التشريعي الكبير، إلا أن نسبة نشاط النساء لا تتجاوز 20%، مما يعني بقاء 4 من كل 5 نساء خارج الدورة الاقتصادية. وأرجع هذا الضعف إلى “التقسيم الجندري للعمل” الذي يحمل المرأة أعباء الرعاية المنزلية غير المؤدى عنها، داعياً إلى الانتقال من “المساواة الشكلية” إلى “المساواة الفعلية” عبر توفير شروط ملموسة كدور الحضانة والولوج للشبكات الاقتصادية.

برامج التمكين: “جسر” نحو الاستقلالية المالية
في المقابل، قدم الدكتور أحمد البدياني، المنسق الجهوي لوكالة التنمية الاجتماعية لجهة الشرق، الجوانب الإجرائية والحلول الحكومية، مركزاً على برنامج “جسر” الذي رصدت له وزارة التضامن 360 مليون درهم لرفع نسبة نشاط المرأة إلى 30% بحلول 2026. وأوضح الدكتور البدياني أن التمكين الاقتصادي هو السبيل الوحيد لتعزيز “صوت المرأة” داخل الأسرة والمجتمع، مشيراً إلى مبادرة “مغرب المبادرات” التي مولت مشاريع نسائية رائدة بالجهة تهم مختلف القطاعات.

واقع الميدان: 70 تعاونية نسوية بإقليم جرادة
اختتمت المداخلات بتقرير إحصائي للأستاذ أسامة اختيار، كشف فيه أن إقليم جرادة يضم 70 تعاونية نسوية تنشط أساساً في الخياطة والمنتجات الفلاحية. ورغم جهود مكتب تنمية التعاون في إطلاق “الأكاديمية الرقمية” ومنصات التسويق الإلكتروني، إلا أن التعاونيات لا تزال تواجه تحديات البعد الجغرافي، وضعف قنوات التوزيع، وصعوبة الولوج إلى التمويل.
خلصت الندوة إلى توزيع شواهد تقديرية والقيام بزيارة لمعرض المنتجات النسوية بالساحة العامة، وسط تأكيدات على أن التمكين الحقيقي يبدأ من التعليم وتغيير العقليات الاجتماعية لتواكب النصوص القانونية المتقدمة.


قم بكتابة اول تعليق