تويسيت: بين إرث منجمي شاق وتحديات التنمية اليوم

وفاء الإدريسي – تويسيت 06 مارس 2026

تقع بلدة تويسيت، الجماعة القروية التابعة لإقليم جرادة، على بعد كيلومترات قليلة فقط من الحدود الجزائرية، في قلب منطقة شبه صحراوية هادئة ترتفع نحو 1100-1150 متر فوق سطح البحر. تُعرف المدينة الصغيرة بطبيعتها الهادئة التي تجعلها ملاذاً للسكينة، بعيداً عن صخب المدن الكبرى، لكن هذا الهدوء يخفي وراءه قصة معاناة تاريخية وتحديات تنموية مستمرة.

ولدت تويسيت، كما يروي أهلها، من رحم المناجم. في فترات ازدهار استغلال مناجم الرصاص والزنك، خاصة خلال العقود الماضية، عرفت المدينة حركية اقتصادية لافتة، وصفت بـ”فترة العز” من قبل الكثيرين ممن عاشوا تلك الحقبة. كانت المناجم مصدر رزق رئيسياً، وشهدت على جهد وعمالة شاقة لعمال صمدوا لكسب “رغيف أسود”، وسط ظروف عمل قاسية تركت آثاراً عميقة في الذاكرة الجماعية.

مع تراجع النشاط المنجمي تدريجياً، وإغلاق العديد من المواقع أو تقليص الإنتاج، تحولت تويسيت إلى ما يُطلق عليها ساخراً “مدينة المتقاعدين“. هدوء يصل حد الصمت، وطبيعة شبه قاحلة، جعلاها مكاناً مثالياً للراحة والنوم العميق، لكنها في الوقت نفسه فضاء يعاني من غياب الدينامية الاقتصادية والاجتماعية.

اليوم، تواجه البلدة تحديات جسيمة في مجال التنمية والعدالة الاجتماعية. يعتمد معظم السكان على التجارة البسيطة، والوظائف العمومية القليلة، وبعض الخدمات التقليدية.

أما الشباب، فيجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة: إما البقاء في فضاءات مترهلة خارج التغطية التنموية، أو ركوب موجات الهجرة نحو المدن الكبرى بحثاً عن فرص عيش أفضل. يفتقرون إلى فضاءات لتفريغ طاقاتهم الرياضية والثقافية والفكرية، مما يزيد من إحساسهم بالإقصاء والانتظار القاتل.

تويسيت قرية صغيرة ومحاينها كبار“، كما يصفها البعض مستلهماً أبيات الشعر، فهي تعيش على هامش المعاصرة، بين مطرقة نقص فرص الشغل وسندان انعدام المشاريع التنموية الكبرى. ورغم وجود بعض المبادرات مثل إحداث منطقة للأنشطة الاقتصادية على مساحة تقارب 7.5 هكتار ضمن المخطط التنموي للإقليم، إلا أن التحول المنشود يبقى بطيئاً.

يؤكد المتتبعون لأوضاع المنطقة أن تويسيت تمتلك رأسمالاً بشرياً مهماً، يقبل التغيير ويمتلك الإرادة لكسر القيود. لكن هذا الرأسمال يحتاج إلى استثمار قوي يبدأ بالعنصر البشري، ويتبنى مقاربة تشاركية تستحضر ماضي الأجداد – بكل ما حمله من صمود وعزيمة – وتتطلع إلى مستقبل يليق بحماس الأحفاد.

التحول المأمول يتطلب إرادة سياسية جادة ترجح كفة المصلحة العامة، وإدارة مواطنة مسؤولة تجيد تدبير الأزمات وتتبنى سياسة القرب من المواطن. عندها فقط يمكن أن تتحول تويسيت من فضاء انتظار قاتل إلى مدينة تنبض بالحياة، توفر فرصاً حقيقية لأبنائها، وتعيد لها مكانتها في خريطة التنمية الجهوية المزهرة.

تويسيت ليست مجرد نقطة على الخريطة الحدودية، بل هي قصة شعب ينتظر عدالة تنموية طال انتظارها، ويستحق أن يجد مكانه في حاضر المغرب المتجدد.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*