تقرير حول المائدة المستديرة: “إصلاح التعليم: النشأة والرؤية ومسار التحول”

شهدت فعاليات النسخة الثانية من المنتدى الوطني للمدرس جلسة نقاشية معمقة تناولت مسار إصلاح المنظومة التربوية بالمغرب، بمشاركة فاعلين من مختلف المستويات التدبيرية، بدءاً من المجلس الأعلى للتربية والتكوين وصولاً إلى الممارسة الصفية. ركز التقرير على كيفية هندسة الإصلاح من الرؤية الاستراتيجية إلى الواقع الميداني.

أولاً: المرجعيات والمرتكزات الأساسية للإصلاح

أجمع المشاركون على أن الإصلاح الحالي يستند إلى ترسانة مرجعية متكاملة تضمن استدامته وعدم تراجعه:

  • المرجعية الفلسفية والدستورية: ينطلق الإصلاح من دستور 2011 الذي كرس الحق في تعليم جيد ومنصف، وحسم خيارات التعددية اللغوية والتنوع الثقافي.
  • الإطار الاستراتيجي: تمثله الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 التي وضعها المجلس الأعلى للتربية والتكوين، وترتكز على ثلاثة أسس: الإنصاف، الجودة للجميع، والارتقاء بالفرد والمجتمع.
  • الإطار القانوني الملزم: يجسده القانون الإطار 51-17، الذي نقل الإصلاح من مجرد برامج قطاعية إلى قانون ملزم لجميع الحكومات، يحدد الالتزامات ويربط التفعيل بالمحاسبة.
  • خارطة الطريق 2022-2026: تعتبر الترجمة الإجرائية لهذه المرجعيات، حيث حددت 12 التزاماً تتمحور حول التلميذ، الأستاذ، والمؤسسة، وتهدف إلى مضاعفة نسبة التحكم في التعلمات وتقليص الهدر المدرسي بنسبة الثلث.

ثانياً: قيادة التغيير من التصور إلى الأجرأة

تم استعراض كيفية تحول هذه الرؤى إلى واقع ملموس عبر مستويات التدخل المختلفة:

  1. المستوى المركزي والجهوي: اعتماد آليات “عقود نجاعة الأداء” التي تربط الأكاديميات بالوزارة وبالمؤسسات التعليمية بناءً على أهداف ومؤشرات دقيقة. كما تم التركيز على الاستثمار في الموارد البشرية من خلال التكوين المستمر والمواكبة الميدانية اللصيقة.
  2. الإدارة التربوية (المدير كقائد): برز تحول دور مدير المؤسسة من مجرد إداري إلى “قائد تربوي” يقود فريقاً متجانساً، ويشرف على “مشروع المؤسسة المندمج” كآلية لتنزيل الإصلاح محلياً.
  3. المفتش كواكب وميسر: انتقلت أدوار هيئة التفتيش من الرقابة إلى الدعم والاسناد والمواكبة، بهدف تذليل الصعاب أمام المدرسين وبناء الثقة في قدرتهم على التغيير.
  4. الممارسة الصفية: داخل الفصول، يتمظهر الإصلاح من خلال اعتماد “مقاربة التحكم” والتقويم التشخيصي الدقيق، واستخدام موارد رقمية ومنهجيات حديثة (مثل التدريس الصريح) لردم فجوات التعلم.

ثالثاً: ملامح التحول الميداني (نموذج إعداديات الريادة)

أشار المتدخلون إلى أن نموذج “الريادة” أحدث حركية استثنائية تمثلت في:

  • تحسين البنية التحتية وتجهيز المؤسسات بالوسائل التكنولوجية.
  • تفعيل خلايا اليقظة والمواكبة النفسية والاجتماعية للحد من الانقطاع الدراسي.
  • إعادة الاعتبار للأنشطة الموازية (مسرح، موسيقى، رياضة) كمدخل للتفتح والارتقاء بشخصية التلميذ.

التوصيات الجريدة المستنبطة من النقاش:

بناءً على المداخلات، يمكن صياغة التوصيات التالية لضمان نجاح واستدامة التحول التربوي:

  1. تحصين المكتسبات قانونياً: الإسراع بإخراج الأطر المرجعية المنصوص عليها في القانون الإطار (إطار مرجع المناهج، إطار مرجع الجودة، وإطار مرجع الكفاءات والمهن) لضمان مأسسة التغيير وحمايته من التقلبات.
  2. تعزيز “قيادة السعادة” في التدبير: تشجيع المقاربات التدبيرية التي تزرع الشغف والرضا الوظيفي لدى المدرسين (التدبير بالسعادة)، باعتبار الأستاذ هو المحرك الرئيسي لأي إصلاح.
  3. استدامة وتوسيع المواكبة: ضرورة استمرار وتعميم آليات المواكبة الميدانية اللصيقة وتوحيد اللغة التربوية بين المدرس والمدير والمفتش لضمان انسجام الأداء.
  4. إشراك الأسر كشريك استراتيجي: تفعيل برامج تواصلية قارة مع الأسر لتعريفهم بمستجدات الإصلاح (مثل نماذج الريادة) وإشراكهم في تتبع مسار تعلم أبنائهم.
  5. تطوير التكوين الأساس والبدء بالمبكر: مراجعة برامج تكوين الأطر التربوية لتتماشى مع الممارسات البيداغوجية الناجحة التي أثبتت فعاليتها ميدانياً.
  6. تغليب منطق “الأثر” على “الأرقام”: التركيز في التقييم على التغيير الحقيقي في سلوك وتعلمات التلميذ بدلاً من الاكتفاء بالتقارير الإدارية الجافة.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*