شهدت المنظومة القانونية المؤطرة للعمليات الانتخابية في المغرب تحولات جوهرية مع صدور حزمة من القوانين التنظيمية الجديدة في الجريدة الرسمية عدد 7478، والتي تهدف إلى تحيين القواعد الانتخابية وضمان نزاهة الاستحقاقات المقبلة. وتأتي هذه الإصلاحات، التي شملت مجلس النواب والأحزاب السياسية واللوائح الانتخابية، لتعزز من آليات الرقابة وتفتح الباب أمام الرقمنة والشباب والنساء في المشهد السياسي.
إصلاحات مجلس النواب: تشديد المعايير وتكريس التنافي
بموجب القانون التنظيمي رقم 53.25 المغير للقانون التنظيمي رقم 27.11، تم تثبيت شروط دقيقة للترشح لعضوية مجلس النواب، حيث تمنع القوانين الجديدة الأشخاص المحكوم عليهم بعقوبات حبسية نافذة أو موقوفة التنفيذ من الترشح، كما ترفع مانع الأهلية عن المعزولين من المسؤوليات الانتدابية فقط بعد انصرام مدتين انتدابيتين كاملتين,,.
وفي خطوة لتعزيز الممارسات الديمقراطية، نصت المادة 13 على حالات التنافي، حيث لا يمكن الجمع بين عضوية مجلس النواب ورئاسة مجلس جهة، كما يمنع الجمع بين أكثر من رئاسة واحدة للهيئات المنتخبة الأخرى كالجماعات والمقاطعات والغرف المهنية. أما على مستوى الإجراءات، فقد انتقلت عملية إيداع الترشيحات إلى منصة إلكترونية مخصصة لهذا الغرض، مما يضفي صبغة حداثية على التدبير الانتخابي.
الأحزاب السياسية: تمكين الشباب والنساء وصرامة التمويل
جاء القانون التنظيمي رقم 54.25 ليعيد صياغة شروط تأسيس وتسيير الأحزاب السياسية، مشدداً على ضرورة إشراك الفئات المجتمعية الحيوية، حيث اشترط ألا تقل نسبة الشباب (أقل من 35 سنة) والنساء عن خُمس الأعضاء المؤسسين,.
وفيما يتعلق بالتمويل، أتاحت النصوص الجديدة للأحزاب تأسيس شركات لضمان عائدات مالية في مجالات التواصل والنشر والأنشطة الرقمية، شريطة أن تكون مملوكة لها كلياً,. ومع ذلك، وضع القانون نظاماً صارماً للمحاسبة تحت إشراف المجلس الأعلى للحسابات، حيث يعتبر عدم تبرير صرف الدعم العمومي أو عدم إرجاعه للخزينة بمثابة اختلاس للمال العام,,.
نزاهة الاقتراع: التصدي للتكنولوجيا الزائفة وشراء الأصوات
أفردت القوانين الجديدة، لا سيما القانون رقم 55.25، حيزاً كبيراً لزجر المخالفات الانتخابية. فقد تضمنت المادة 39 عقوبات حبسية وغرامات ثقيلة لكل من قام بنشر إعلانات أو وثائق انتخابية يوم الاقتراع عبر أدوات الذكاء الاصطناعي أو المنصات الإلكترونية. كما تم تجريم نشر الأخبار الزائفة أو المحتويات الرقمية “المفبركة” التي تهدف إلى المس بنزاهة العمليات الانتخابية أو التشهير بالمترشحين، بعقوبات تصل إلى الحبس لسنوات وغرامات تصل إلى 100 ألف درهم,.
ولم تقتصر الحماية على الفضاء الرقمي، بل شملت محاربة شراء الأصوات، حيث يعاقب بالحبس والغرامة كل من حاول الحصول على صوت ناخب عبر هدايا أو تبرعات نقدية، مع حرمان المدانين من حق التصويت والترشح لمدد محددة,,.
اللوائح الانتخابية: البطاقة الوطنية هي المرجع
أكدت التعديلات على اعتماد البطاقة الوطنية للتعريف كوثيقة وحيدة للقيد في اللوائح الانتخابية العامة، مع إتاحة تقديم طلبات القيد عبر موقع إلكتروني مخصص,. كما تم تنظيم عملية تصويت المغاربة المقيمين بالخارج عبر نظام الوكالة الذي يتم تدبيره إلكترونياً لضمان مشاركتهم الفعالة,.
إن هذه الترسانة القانونية الجديدة تعكس رغبة الدولة في إرساء منظومة انتخابية تتسم بالشفافية والعدالة، وتضع حواجز قانونية وأخلاقية أمام أي محاولة لإفساد العملية الديمقراطية، سواء عبر الأساليب التقليدية أو الوسائل التكنولوجية الحديثة.
قم بكتابة اول تعليق