في حلقة مميزة من برنامج “ساعة شعر”، أطل الشاعر والباحث الأكاديمي المختار السعيدي ليفتح نافذة على عالم يمتزج فيه الالتزام بالقضايا القومية بالبحث الأكاديمي الرصين. لم يكن السعيدي مجرد ضيف، بل كان مدافعاً عن الكلمة التي يراها “طفلاً تائباً” وسرداً يمثل “شيخاً شارداً”.
غزة والكرامة: حين ينطق الحذاء رصاصاً
استهل السعيدي حديثه برؤية ثائرة تربط بين نضال غزة التاريخي وواقعة الصحفي منتظر الزيدي، داعياً الإنسان العربي للتحرر من “ليل الصمت”. وفي هذا السياق، نستلهم من أسلوبه هذه الأبيات:
أيها العربيُّ اخلعْ نعليكَ فغزةُ نادتْ لبيكْ فإنَّ الصمتَ شوكٌ يدمي مُنذُ دهورٍ شفتيكْ والنارُ ستزهرُ جمرتها إنْ بُحتَ بما في خافقيكْ فلا يغشينَّ ليلُ الحصارِ برهبتهِ عينيكْ
المرجعية القرآنية: ذخيرة اللفظ وسبك المعنى
أكد السعيدي أن القرآن الكريم شكل “ذخيرة لغوية مهمة” في تجربته، حيث حفظ نحو 45 حزباً، مما جعل الألفاظ تتسابق على لسانه بعفوية المتمكن. هذا الارتباط بالنص المقدس، إلى جانب ولعه بالمعلقات وشعر أبي تمام وبشار بن برد، منح قصائده متانة لغوية تجمع بين “الصنعة والطبع”.
الثورة الرقمية في العروض: تحطيم “دوائر الخليل”
لم يتوقف السعيدي عند حدود القرض التقليدي، بل اجتهد في ابتكار “التفعيلات الرقمية”، محاولاً التحرر من نظام الدوائر الخليلية الصارم الذي يراه أحياناً بعيداً عن واقع الاستعمال الشعري. هو يبحث عن نظام إيقاعي جديد يعتمد على حساب المتحركات والسواكن (وحدات من 3 إلى 5 أحرف)، ليثبت أن الشعر “إيقاع محدد” يمكن صياغته خارج الأطر التقليدية دون فقدان هويته.
ومحاكاةً لهذا النفس الذي يمزج بين العاطفة والتأمل الفلسفي، نورد هذه الأبيات المستوحاة من بوحه الرومانسي والوجودي:
سلي نبضَ قلبي عن شوقٍ تحدى تقاليدَ العقلِ ففي الوصلِ نارٌ تذيبُ حروفي وتُحرقُ ثقلي عدتُ لذاتي، لشكٍ يقينٍ، وضبابٍ يزهو بالاختلالِ فالتحررُ في زمنِ الوهمِ قيدٌ، والعودةُ عينُ الارتحالِ
هموم تربوية: صرخة لإحياء “ملكة الحفظ”
وفي شق تربوي لافت، عبّر السعيدي عن أسفه لغياب ملكة الحفظ في المناهج التعليمية الحالية، مشيراً إلى أن إقصاء “مادة المحفوظات” أدى إلى قطيعة بين المتعلم وذخيرته الجمالية. ودعا زملاءه المدرسين إلى نقل الدرس الشعري من جانبه الجامد إلى “جانبه الحي” عبر استثمار التكنولوجيا واستضافة المبدعين.
خاتمة: الكلمة كرسالة أخيرة
ينهي السعيدي لقاءه بالتأكيد على أن الشاعر لا يكتب لنفسه فقط، بل هو صدى لآلام الشعوب، كما فعل في قصيدته عن بغداد وصدام حسين، حيث يرى أن “الحبال تتحول إلى جبال” حين تستيقظ الأمة من سباتها. إنه باختصار شاعر يحمل مبضع الجراح وريشة الفنان، ليخط تاريخاً من “الإباء” في زمن “الخذلان”.
قم بكتابة اول تعليق