الترحال السياسي: أخلاق الضمير أم جمود المؤسسات؟

بقلم: عبدالعالي الجابري

في كل مرة تقترب فيها الانتخابات، يعود الجدل حول «الترحال السياسي» ليحتل صدارة المشهد المغربي. مرشحون يغادرون أحزابهم بين عشية وضحاها، آخرون ينتقلون من المعارضة إلى الأغلبية، وثالثون يؤسسون «حركات» جديدة في لمح البصر. هل هو حرية ضمير، أم خيانة للناخب، أم مجرد نتيجة حتمية لجمود حزبي مزمن؟

هذه ليست مجرد ظاهرة انتخابية عابرة، بل أزمة بنيوية تعكس حالة الأحزاب المغربية اليوم. يُسمّيها البعض «الترحال»، وآخرون «عبور الأرضية»، وفي نيجيريا يُطلقون عليها «وكا-وكا» (القفز من الزورق). مهما اختلفت التسميات، فالجوهر واحد: تخلّي الفاعل السياسي عن انتمائه الأصلي بحثاً عن مظلة جديدة، غالباً ما تكون أقرب إلى السلطة أو أكثر ضماناً للمقعد.

الجمود الحزبي: الدافع الحقيقي وراء «الرحل»

يستعير الباحثون نموذج ألبرت هيرشمان الشهير «الخروج، الصوت، الولاء» لتفسير الظاهرة. عندما يفقد العضو الأمل في إصلاح حزبه من الداخل («الصوت») ويضعف ولاؤه الأيديولوجي، يصبح «الخروج» (الترحال) الخيار الوحيد. والسبب الأساسي؟ الجمود.

فالأحزاب المغربية تعاني من:

  • أوليغارشية قيادية تحولت إلى نخب مغلقة تحتكر التزكيات والموارد.
  • غياب الديمقراطية الداخلية الحقيقية، حيث تُحوّل المؤتمرات إلى مسرحيات تثبيت الوضع القائم.
  • شيخوخة أيديولوجية: شعارات تاريخية لا تمتّ للواقع بصلة.
  • شخصنة المؤسسة: الحزب أصبح امتداداً لزعيمه، لا فضاءً للعمل الجماعي.

في مثل هذه البيئة، يصبح الترحال ليس خيانة، بل «ضرورة تحررية» يبررها الفاعل بأن الحزب هو من خان مبادئه أولاً.

المعضلة الأخلاقية: بين أمانة الناخب وحرية الضمير

هنا يبرز التناقض الكبير. الناخب يمنح صوته لمرشح على أساس هوية مزدوجة: الشخص والحزب. فإذا غيّر المرشح حزبه بعد الفوز، فهو يُجيّر أصواتاً لم تُمنح له شخصياً. في الخطاب المغربي يُسمّى هذا «الخبث السياسي».

لكن المقابل يقول: النائب يمثل الأمة بأكملها، لا حزبه فقط. فإذا انحرف الحزب عن المصلحة الوطنية أو غرق في الفساد أو أصيب بجمود قاتل، فإن الواجب الأخلاقي يفرض عليه المغادرة. التمييز بين الترحال «المصلحي» (عشية الانتخابات بحثاً عن تزكية) والترحال «المبدئي» (احتجاجاً على انحراف كبير) يبقى صعباً، لكنه ضروري.

الدستور المغربي 2011: سلاح قانوني قوي.. لكنه غير كافٍ

جاء الفصل 61 من الدستور صارماً: «يُجرد من صفة العضو كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه». والمحكمة الدستورية وسّعت تفسير «التخلي» ليشمل التصويت المعاكس والانخراط في أنشطة حزب منافس. هذا الإجراء نجح في تقليص الترحال أثناء الولاية، لكنه فشل في منعه بين الولايات. فالطامحون يقدمون استقالاتهم قبل موعد الترشيحات، فيفرغون القانون من محتواه الأخلاقي.

الثمن الاجتماعي: تآكل الثقة

الأخطر من كل ذلك أن الترحال يدمّر «رأس المال الاجتماعي». المواطن يرى مرشحاً كان يهاجم حزباً بالأمس يتصدر قوائمه اليوم، فيصل إلى قناعة أن «السياسة لعبة قذرة». ينتج عن ذلك عزوف انتخابي، انخفاض المشاركة، وتجريف التعددية الحقيقية. الأحزاب الكبيرة «تشتري» الوجوه الانتخابية بدلاً من أن تتنافس على الأفكار، فتصبح الديمقراطية «سوقاً للأشخاص» لا «سوقاً للأفكار».

الحل ليس في قوانين أكثر صرامة.. بل في أحزاب حية

القوانين الزجرية وحدها لا تكفي. السياسي دائماً يتفوق على القانوني في ابتكار الثغرات. الحل الجذري يكمن في معالجة الجمود الداخلي:

  • دمقرطة حقيقية داخل الأحزاب.
  • تداول على القيادة.
  • شفافية مالية وإدارية.
  • برامج حقيقية تلامس هموم المواطن.

نحتاج أيضاً إلى «ميثاق شرف» سياسي يعيد للكلمة والوعد الانتخابي قدسيتهما. نحتاج جيلاً من «المناضلين المؤسساتيين» الذين يرون في الحزب أداة لخدمة المجتمع، لا حافلة ينزلون منها عند أول محطة توفر عرضاً أفضل.

الترحال السياسي ليس مرضاً، بل عرضاً. كثرته دليل قاطع على خلل في الجسد السياسي. والتقليل منه هو المؤشر الحقيقي على نضج ديمقراطيتنا واستقرار مؤسساتنا.

في النهاية، السؤال ليس «هل الترحال أخلاقي أم لا؟»، بل «هل أحزابنا قادرة على أن تكون مؤسسات حية تستحق الولاء؟».

الجواب حتى الآن مؤلم، لكنه قابل للتغيير.. إذا أردنا.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*