بقلم: ذ. مصطفى صغيري، دكتور في القانون العام والعلوم السياسية
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يعرفها النظام الدولي، لم يعد الأمن الطاقي مجرد إشكال تقني أو ظرفي، بل أصبح مكوناً مركزياً من مكونات السيادة الاستراتيجية للدول، وعنصراً حاسماً في تحديد قدرتها على الصمود أمام الصدمات الخارجية.
وفي هذا السياق، ما فتئ جلالة الملك محمد السادس نصره الله يؤكد، في عدد من الخطب والتوجيهات السامية، على ضرورة تعزيز الأمن الاستراتيجي للمملكة، وتطوير منظومات المخزون الاحتياطي للمواد الأساسية، وعلى رأسها الطاقة، مع الدعوة إلى اعتماد مقاربات استباقية قائمة على النجاعة والمرونة والتخطيط بعيد المدى.
وقد تُرجمت هذه الرؤية الملكية إلى عدد من الاستراتيجيات القطاعية، التي مكنت المغرب من تحقيق مكاسب نوعية، سواء على مستوى تنويع مصادر الطاقة، أو تطوير الطاقات المتجددة، أو تعزيز جاذبيته للاستثمارات الصناعية الكبرى، خاصة في قطاعات ذات ارتباط وثيق بسلاسل القيمة العالمية.
غير أن هذه الدينامية الاستراتيجية، ورغم أهميتها، تطرح اليوم تحدياً أساسياً يتعلق بمدى انسجام التنزيل الحكومي مع الرؤية الملكية الشاملة، خاصة في ظل الأزمات الدولية الراهنة، وعلى رأسها التوترات الجيوسياسية التي أثرت بشكل مباشر على أسعار الطاقة العالمية.
فالملاحظة الأساسية التي تفرض نفسها اليوم، هي أن السوق الوطنية للمحروقات أضحت تعكس حساسية مفرطة تجاه تقلبات السوق الدولية، حيث تجاوز سعر النفط في بعض الفترات عتبة 90 دولاراً للبرميل، وهو ما انعكس بسرعة على الأسعار الداخلية التي قاربت أو تجاوزت 14 درهماً للتر بالنسبة للبنزين والغازوال.
غير أن الإشكال لا يكمن فقط في هذا الارتفاع، بل في اللاتماثل في انتقال الأسعار (asymétrie de transmission)، حيث تستجيب السوق بسرعة للارتفاعات، في حين تتأخر في التفاعل مع الانخفاضات، وهو ما يشكل مؤشراً على اختلال في بنية السوق، ويطرح تساؤلات حول مستوى المنافسة وشفافية تحديد الأسعار.
وقد سبق لمجلس المنافسة أن أشار، في تقاريره، إلى تحقيق هوامش ربح معتبرة من طرف الفاعلين في القطاع، وهو ما يعزز فرضية وجود اختلال في ميكانيزمات الضبط(marketregulationfailure)، ويضعف ثقة المستهلك في عدالة السوق.
غير أن هذا الاختلال لا يمكن فصله عن تحول بنيوي أعمق، تمثل في فقدان المغرب لإحدى أهم أدواته في تحقيق السيادة الطاقية، بعد توقف نشاط مصفاة “لاسامير” سنة 2015، والتي كانت توفر قدرة تكريرية تناهز 200 ألف برميل يومياً.
هذا التحول أدى إلى انتقال المغرب من نموذج مختلط، يجمع بين الاستيراد والتكرير المحلي، إلى نموذج يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد المواد البترولية المكررة، وهو ما أدى إلى:
- تقليص هامش التدخل في ضبط الأسعار،
- ارتفاع الكلفة المرتبطة بسلسلة التوريد،
- وتعزيز التبعية للأسواق الخارجية.
وفي هذا الإطار، يبرز مفهوم السيادة الطاقية (Energy Sovereignty)كإطار تحليلي أساسي، لا يقتصر على تأمين التزود، بل يشمل القدرة على التحكم في مختلف حلقات سلسلة القيمة الطاقية.
ويزداد هذا الإشكال تعقيداً عند استحضار معطى المخزون الاستراتيجي، حيث ينص الإطار القانوني المغربي، خاصة بموجب النصوص التنظيمية المؤطرة لقطاع المحروقات (القانون رقم 67.15 المتعلق بتنظيم قطاع المحروقات، والنصوص المرتبطة بالمخزون الاحتياطي)، على ضرورة توفر مخزون أمني يغطي ما يقارب 60 يوماً من الاستهلاك الوطني.
غير أن المعطيات المتداولة، سواء على المستوى المؤسساتي أو في النقاش العمومي، تشير إلى مستويات تقل في بعض الفترات عن هذا السقف، لتتراوح بين 30 و45 يوماً، وهو ما يطرح إشكالية فعالية آليات المراقبة (regulatoryenforcement)ومدى احترام الفاعلين لالتزاماتهم القانونية.
وفي ظل هذه المعطيات، يكتسي النقاش الذي أثاره السيد الأمين العام للحركة الشعبية أهمية خاصة، لأنه لا يندرج فقط في إطار مساءلة ظرفية، بل يعكس محاولة لإعادة طرح سؤال الحكامة الطاقية(Energy Governance)في بعدها الاستراتيجي.
ذلك أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مواجهة الأزمة الحالية، بل في تجاوز منطق التدبير الظرفي نحو بناء نموذج طاقي أكثر توازناً، قادر على التوفيق بين:
- الانفتاح على السوق الدولية،
- وحماية المصالح الاستراتيجية الوطنية.
وهنا تبرز مفارقة أساسية:
ففي الوقت الذي ينجح فيه المغرب في استقطاب استثمارات صناعية كبرى، وتعزيز تموقعه في سلاسل القيمة العالمية، فإنه يظل معرضاً لتقلبات كلفة الطاقة، وهو ما قد يؤثر على تنافسيته على المدى المتوسط.
إن تجاوز هذه الوضعية يقتضي مقاربة مندمجة تقوم على:
- إعادة إدماج التكرير ضمن الرؤية الاستراتيجية الوطنية، سواء عبر حلول استثمارية أو شراكات صناعية،
- تعزيز الشفافية في تحديد الأسعار، عبر نشر المعطيات المرتبطة بكلفة الاستيراد وهوامش الربح،
- تقوية دور مؤسسات الضبط، وعلى رأسها مجلس المنافسة،
- تفعيل صارم للمقتضيات القانونية المرتبطة بالمخزون الاستراتيجي،
- وضمان انسجام حقيقي بين الرؤية الملكية والتنزيل الحكومي.
إن الأزمات، كما تؤكد الأدبيات الاقتصادية، تمثل لحظات اختبار حقيقية لنجاعة السياسات العمومية، وما تكشفه الأزمة الحالية هو أن المغرب، رغم توفره على رؤية استراتيجية متقدمة، ما زال في حاجة إلى تعزيز فعالية الحكامة القطاعية، بما يضمن تحويل هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وفي هذا الإطار، يظل دور الفاعل السياسي مسؤولاً، ليس فقط في التشخيص، بل في الدفع نحو نقاش عمومي مؤطر علمياً ومسؤول سياسياً، يهدف إلى بناء نموذج طاقي وطني أكثر سيادة، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
إن ما تكشفه الأزمة الطاقية الحالية لم يعد مجرد انعكاس ظرفي لتقلبات دولية، بل أصبح مؤشراً واضحاً على حدود التصورات الحكومية في تدبير قطاع استراتيجي يرتبط بشكل مباشر بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للمملكة، فالمواطن المغربي اليوم لا يواجه فقط ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار المحروقات، بل يعيش تحت ضغط متزايد يمس مختلف مناحي حياته اليومية، من كلفة النقل إلى أسعار المواد الأساسية، في ظل غياب إجراءات ملموسة تعيد التوازن للسوق وتخفف من حدة هذه التداعيات.
وإذا كانت الحكومة تستحضر باستمرار مبررات خارجية أو قرارات سابقة، فإن هذا الخطاب لم يعد كافياً ولا مقنعاً، لأن منطق الدولة، واستمرارية المؤسسات، يفرضان مبدأ واضحاً:
كل حكومة تتحمل مسؤوليتها الكاملة عن تدبير المرحلة التي توجد فيها، سياسياً وأخلاقياً وتاريخياً، ولا يمكنها الاستمرار في الاحتماء بالماضي لتبرير اختلالات الحاضر.
إن الإحالة المتكررة على قرار رفع الدعم عن المحروقات لم تعد تجيب عن أسئلة المواطن، بقدر ما تكشف عن غياب رؤية متجددة قادرة على التكيف مع التحولات الراهنة، وعلى تقديم حلول عملية تتجاوز منطق التبرير إلى منطق الفعل.
وفي ظل استمرار هذا الوضع، فإن المخاطر لا تقف عند حدود القدرة الشرائية، بل تمتد إلى:
- إضعاف تنافسية الاقتصاد الوطني،
- وتهديد استقرار النسيج الاجتماعي،
- وتقويض الثقة في السياسات العمومية.
وهو ما يجعل من هذه المرحلة لحظة مفصلية تتطلب من الحكومة الارتقاء إلى مستوى التحديات، عبر قرارات جريئة تنسجم مع التوجيهات الملكية السامية، وتترجم فعلياً الرؤية الاستراتيجية للدولة في مجال الأمن الطاقي.
إن الرهان اليوم لم يعد مجرد تدبير قطاعي، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على تحمل مسؤولياتها التاريخية، وعلى الانتقال من خطاب التبرير إلى ممارسة الفعل، ومن التدبير الظرفي إلى بناء سياسات عمومية ناجعة، تضع مصلحة المواطن في صلب الأولويات، وتؤسس لأمن طاقي حقيقي يليق بمكانة المغرب وتطلعاته.
قم بكتابة اول تعليق