اقتصاد الكلام: لماذا لا نرد دائما؟

حين يكون الصمت موقفا، فإن أول ما يتكشف للإنسان هو محدودية اللغة ذاتها. في لحظة ما، ندرك أن الكلام لا يكفي، بل إنه أحيانا يصبح جزءا من المشكلة لا وسيلة لحلها. نبحث عن الحجة الحاسمة، عن الرد الماحق الذي يُفحم الخصم بشكل ساحق، عن الجملة التي تنهي الجدل، لكننا نادرا ما نتوقف لنسأل سؤالا أكثر جوهرية: هل كان ينبغي لنا أن ندخل هذا الجدل أصلا؟ لقد تربينا على وهم بسيط ومريح مفاده أن من يصمت يوافق، وأن من لا يرد يستسلم، غير أن هذا التصور، رغم بساطته، يختزل التجربة الإنسانية في ثنائية مضللة: إما الهجوم أو الانسحاب. والحال أن الواقع أكثر تركيبا، إذ يوجد موقف ثالث، أقل صخبا وأكثر وعيا، يتمثل في أن ترى وتفهم ثم تختار، عن إدراك، ألا تجيب.

ليس هذا الامتناع عجزا، بل شكل من أشكال السيطرة على الذات. فالكلام لا يقاس فقط بقدرته على الإقناع، بل أيضاً بكلفته الخفية. كل رد نصوغه، وكل جدل ننخرط فيه، هو استثمار من مورد محدود: الوقت، والتركيز، والطاقة الذهنية.

الإنسان الذي يرد على كل شيء لا يثبت قوته، بل يكشف هشاشته؛ يكشف أن حدوده مفتوحة، وأن الآخرين قادرون بسهولة على استدراجه إلى معارك لا تضيف إليه شيئا. في المقابل، من يختار معاركه بعناية يحتفظ بقدرته على البناء، ويعيد توجيه انتباهه نحو ما ينتج أثرا فعليا. بهذا المعنى، يلتقي هذا الرأي بالحكمة التي صاغها ماركوس أوريليوس حين ذكر نفسه بأنه “ليس مضطرا لأن يكون له رأي في كل شيء”؛ وهي حكمة لا تتعلق فقط بالآراء، بل بكل أشكال الانخراط التي تستنزف دون جدوى.

ومع ذلك، فإن الصمت ليس فضيلة مطلقة. فتمجيده دون تمييز قد يحوله إلى شكل من أشكال التواطؤ المقنع. هناك لحظات يصبح فيها السكوت إخلالا بالمسؤولية، حين ينتهك حق، أو يُشوّه معنى، أو يطلب موقف لا يحتمل الحياد. في مثل هذه الحالات، لا يكون الكلام انفعالا بل التزاما، ولا يكون التدخل خيارا بل ضرورة. هنا يتحدد الفرق الدقيق بين الصمت الناضج والصمت المتواطئ: الأول اختيار واع مبني على تقدير للمآلات، والثاني هروب يتخفى في هيئة حكمة.

تتجلى المفارقة أيضا في طبيعة القيمة ذاتها. فالقيمة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج دائم لتثبت وجودها. كلما ازداد اعتمادنا على الدفاع المستمر عن أنفسنا، بدا وكأن ما ندافع عنه أقل رسوخا مما نتصور. في المقابل، ما يبنى بالفعل يفرض نفسه بصمت؛ أثره يسبقه، ونتيجته تغنيه عن الشرح. ليس الحضور هنا غيابا للكلام، بل انتقالا من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل، حيث تصبح الوقائع الملموسة أبلغ من الحجج الكلامية، ويغدو الزمن نفسه حليفا لمن يراكم الأثر بدلا من استهلاكه في الردود.

في هذا السياق، لا يعود الصمت موقفا سلبيا، بل أداة دقيقة لإدارة الصراع والانتباه. إنه ليس رفضا للتفاعل، بل انتقاء له؛ ليس انسحابا من المعركة، بل رفضاً لمعارك لا تستحق أن تُخَاض. ومن دون هذا الانتقاء، يتضخم الضجيج على حساب المعنى، وتتحول كل استفزازات عابرة إلى قضايا مركزية تستنزف القدرة على التركيز. لذلك فإن الحكمة لا تكمن في قول كل ما يمكن قوله، بل في إدراك ما يجب أن يترك دون قول، وما الذي يستحق أن يمنح له الجهد الكامل.

في النهاية، يمكن اختزال هذا النضج في سؤال بسيط لكنه حاسم: ماذا سيتغير لو رددت؟ إن كان الجواب لا شيء يُذْكَر، فإن الصمت يصبح اختيارا واعيا، لا علامة ضعف. أما إن كان الجواب يشير إلى أثر حقيقي، فإن الكلام يتحول إلى ضرورة، لا إلى رد فعل. بين هذين الحدين يتشكل الوعي بالفعل الإنساني: ليس في كثرة القول، بل في دقته، وليس في الحضور الدائم في كل جدل، بل في القدرة على الغياب حين لا يكون للحضور معنى. هكذا لا يعود الصمت فراغا، بل شكلا آخر من أشكال الحضور؛ حضور أكثر هدوء، لكنه أعمق أثرا

وأبقى.

عبد النبي شعول

فاعل مدني وكاتب رأي.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*