اعتقال مادورو يربك العالم ويدشن عصر “القوة فوق القانون”

هل ستكتفي واشنطن بـ"انتصار سريع"، كما فعلت في ليبيا والعراق؟ أم ستنطلق عملية احتلال طويلة الأمد لتنصيب حكومة موالية؟

3 يناير 2025

اعتقال مادورو يربك العالم ويدشن عصر “القوة فوق القانون”插图

في خطوة دراماتيكية أثارت صدمة عالمية، أعلنت الولايات المتحدة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، خلال عملية عسكرية سريعة نفذتها قوات أمريكية في كاراكاس يوم 3 يناير 2026. هذا الحدث، الذي وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه “مثالي“، يُعتبر سابقة خطيرة تهدد أسس النظام الدولي.

صدمة دبلوماسية عالمية

اعتقال مادورو يربك العالم ويدشن عصر “القوة فوق القانون”插图1

أثار الاعتقال هزة في الأوساط السياسية والدبلوماسية حول العالم، حيث وصف مراقبون دوليون الحدث بأنه “سابقة قد تعيد تشكيل موازين القوى في القرن الحادي والعشرين”.

وفقاً لتقارير، لم تستهدف العملية منشآت تهريب المخدرات كما زعم البيت الأبيض في البداية، بل ركزت على تعطيل الدفاعات الجوية وقصف القواعد العسكرية والمطارات، مما يشير إلى هدف أكبر: إسقاط النظام الفنزويلي بالكامل.

في حديث خاص لوكالة تاس الروسية، أكد دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى في بروكسل أن “اختطاف مادورو بالقوة يرسل إشارة واضحة للعالم: الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة العسكرية المباشرة لتحقيق أهدافها السياسية، حتى لو اقتضى ذلك انتهاك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة”.

وأضاف محذراً: “هذه الرسالة وصلت إلى أوروبا، ولأول مرة في تاريخ حلف الناتو الممتد على 75 عاماً، لم تعد الدول الأوروبية تشعر بأنها شريكة في هذه السياسة، بل قد تصبح أهدافاً محتملة لها، خصوصاً في ظل مطالب واشنطن المتكررة بالسيطرة على غرينلاند“.

يفاقم هذا التحول “الفراغ الأمني” في القارة الأوروبية، ويدفع دول الاتحاد الأوروبي إلى تسريع خططها لإعادة التسلح بشكل مستقل عن المظلة الأمريكية، وفقاً للدبلوماسي نفسه.

اعتقال مادورو يربك العالم ويدشن عصر “القوة فوق القانون”插图2

“مبدأ دونرو”: عودة إلى الهيمنة الأمريكية

من منتجع مار أ لاغو، أعلن ترامب النصر، موضحاً أن العملية تندرج ضمن استراتيجية أمنية جديدة تنص على “منع المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي من نشر قوات أو امتلاك أصول استراتيجية في منطقتنا“.

يُطلق على هذا النهج الآن تسمية “مبدأ دونرو“، نسبة إلى ترامب، وهو نسخة محدثة من “مبدأ مونرو” التاريخي، الذي يعتبر نصف الكرة الغربي “الحديقة الخلفية الحصرية للولايات المتحدة“، مع رفض أي نفوذ خارجي.

اعتقال مادورو يربك العالم ويدشن عصر “القوة فوق القانون”插图3

إدانات دولية واسعة

جاءت الإدانات من الحلفاء قبل الخصوم. اعتبرت روسيا العملية “عدواناً مسلحاً“، ووصفت وزارة خارجيتها الذرائع الأمريكية بأنها “كاذبة“، معتبرة أن التدخل يعكس “العداء الأيديولوجي لا البراغماتية“. كما دعت موسكو إلى عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن، محذرة من تهديد “السلم الإقليمي والدولي“.

في أمريكا اللاتينية، وصف الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الحدث بأنه “سابقة خطيرة للغاية للمجتمع الدولي بأسره“، بينما اعتبره الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل “إرهاب دولة“. أما المكسيك، فقد أدانت العملية باعتبارها “انتهاكاً صريحاً للمادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة“، التي تحظر استخدام القوة.

وحتى داخل الحلف الغربي، عبرت سويسرا والنمسا عن قلقهما، مطالبتين واشنطن باحترام “مبدأ السيادة وحظر استخدام القوة“. أما الاتحاد الأوروبي، فقد تجنب الإدانة الصريحة، لكنه دعا إلى “ضبط النفس“، في موقف يعكس الانقسام الداخلي بين رغبة بعض الأعضاء في رحيل مادورو، ورفضهم المطلق لوسيلة الإطاحة به.

اعتقال مادورو يربك العالم ويدشن عصر “القوة فوق القانون”插图4

فراغ دستوري ومخاوف من الفوضى

ينص الدستور الفنزويلي على انتقال السلطة إلى نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، لكن الوضع على الأرض لا يزال غامضاً.

هل ستكتفي واشنطن بـ”انتصار سريع” كما في ليبيا والعراق، أم ستنطلق عملية احتلال طويلة الأمد لتنصيب حكومة موالية؟ وهل ستستغل المعارضة، بقيادة ماريا كورينا ماتشادو (الحائزة على جائزة نوبل للسلام)، الفرصة للانقضاض على السلطة؟

الأمر لم يعد يخص فنزويلا وحدها. فهذا التدخل الأحادي يهدد بتفكك التحالفات التقليدية، وتسارع سباق التسلح في أمريكا اللاتينية وأوروبا، وانهيار مبدأ السيادة كركن أساسي في القانون الدولي. بل إن البعض بدأ يتساءل: “إذا كان لأمريكا أن تفعل ما تشاء في فنزويلا، فهل يحق لروسيا أو الصين فعل الشيء نفسه في مناطق نفوذهما؟

تختصر العبارة الأمريكية الشهيرة المعضلة: “بمجرد أن تبدأ عملية عسكرية، تصبح مسؤوليتك“. فواشنطن، بخطوتها هذه، لم تسقط نظاماً فحسب، بل فتحت صندوق باندورا قد يعيد تعريف النظام الدولي، ويدخل العالم في عصر جديد من الفوضى، حيث القوة تحل محل القانون، والهيمنة تحل محل الشراكة.

اعتقال مادورو يربك العالم ويدشن عصر “القوة فوق القانون”插图5

هذا التدخل يفتح صندوق باندورا، والسؤال الأصعب لم يعد: هل كان مادورو ديكتاتورا؟ بل: من سيدافع عن سيادة الدول الصغيرة والضعيفة إذا لم يعد القانون الدولي مقدسا؟

السؤال ذاته الذي تطرحه أطلال غزة اليوم، حيث تجري حرب إبادة بدم بارد تحت سمع العالم وبصره، دون أن يرف جفن لمحاسبة المعتدي أو حماية المدنيين. ففي كاراكاس كما في غزة، يستخدم “الاستثناء” كذريعة لتبرير القوة الغاشمة، ويعامل القانون الدولي كحبر على ورق حين يتعارض مع مصالح القوي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى