
في لحظة وصفها بـ “الدقيقة” من تاريخ حزب التجمع الوطني للأحرار، وقف السيد عزيز أخنوش في المؤتمر الاستثنائي ليعلن نهاية مسار حافل بالمسؤولية، ليس فقط كقائد تنظيمي، بل كمهندس لرؤية سياسية تجاوزت سياق التدبير الحكومي الضيق لتصاغ كبرنامج وطني استراتيجي. هذا الوداع لم يكن مجرد إجراء تنظيمي لانتخاب خلف له، بل كان قراءة في حصيلة “ثورة تنظيمية” وفلسفة حكم جعلت من “المواطن” و”الدولة الاجتماعية” بوصلتها الوحيدة.
منجزات بروح “البرنامج الوطني” لا التدبير الظرفي: يرى أخنوش أن المنجزات التي تحققت لم تكن مجرد وعود انتخابية عابرة، بل هي نتاج “مسار ثقة” وُلد من رحم الميدان. لقد ركز المقال الوداعي على أن الحزب لم يشتغل بمنطق “الاستهلاك السياسي”، بل بمنهجية واقعية أسست لركائز الدولة الاجتماعية الحقيقية.
• ثورة الحماية الاجتماعية: تم تقديم التغطية الصحية الشاملة ونظام الدعم الاجتماعي المباشر كتحول عميق في فلسفة الدولة، يهدف إلى صيانة كرامة الملايين بعيداً عن منطق الإحسان، بل كحق مكفول يستند إلى الاستحقاق والإنصاف.
• منهجية القرب (100 يوم 100 مدينة): هذه المبادرة، كما ورد في الكلمة، لم تكن تجميلاً للواقع، بل كانت أضخم عملية إنصات وطني استهدفت المدن المنسية لفهم إكراهات المواطن بعيداً عن “الخطاب الجاهز“.
• البناء المؤسساتي: الحديث عن إحداث 19 منظمة موازية وتقوية القواعد الجهوية يعكس رغبة في بناء “تنظيم قادر على الاستمرار” وليس حزباً مرتبطاً بشخص الزعيم.
الوداع السياسي… الانعزال المسؤول وتداول النخب: في خطوة لافتة، أكد أخنوش أن قراره بعدم السعي لولاية ثالثة هو “قرار جدي ومفكر فيه بعيداً عن منطق الزعامات الخالدة”. هذا “الانعزال” عن رئاسة الحزب لا يمثل انسحاباً من الالتزام الوطني، بل هو “انتقال هادئ ومسؤول” يهدف إلى تجديد دماء العمل السياسي وفتح الطريق أمام جيل جديد من القيادات، ممثلاً في دعم المرشح السيد محمد شوكي.
تداعيات الانتقال… ما بعد “زمن أخنوش” الحزبي: أخنوش يغادر رئاسة الحزب وهو في “صحة تنظيمية جيدة”، محولاً إياه إلى القوة الحزبية الأولى في المشهد السياسي الوطني. التداعيات السياسية لهذا التنحي تضع الحزب أمام اختبار “الاستمرارية في الإنجاز”؛ فالرهان الآن هو الحفاظ على “نفس القرب” ووفاء القيادة الجديدة للمسارات التي رسمت (مسار الثقة، مسار التنمية، ومسار الإنجازات).
الخاتمة… إرث “القول والعمل”: ختم أخنوش كلمته بلمسة إنسانية، مستحضراً قيم الوفاء التي تعلمها من والده في ربط المسؤولية بالأخلاق. إنه يسلّم المشعل وهو مطمئن بأن الحزب “في أيدٍ آمنة“، مشدداً على أن “الأوطان لا تبنى بالشعارات العابرة، بل بصدق الالتزام“. إنها لحظة تعيد صياغة مفهوم القيادة في المغرب: القائد الذي يبني المؤسسات لتستمر من بعده، ويجعل من السياسة عملاً إصلاحياً نبيلاً ينحاز للإنسان أولاً وأخيراً.
قم بكتابة اول تعليق