أخنوش يترك قيادة الأحرار: زلزال سياسي يسبق انتخابات 2026 ويعيد رسم المشهد السياسي

المصطفى العياش — فاعل سياسي
في خطوة مفاجئة هزت المشهد السياسي المغربي، أعلن رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، صباح يوم الأحد 11 يناير 2026، أنه لن يترشح لولاية ثالثة على رأس الحزب، مؤكداً احترامه للنظام الأساسي الذي يحدّ من رئاسة الحزب في ولايتين متتاليتين.

هذا القرار لم يكن مجرد تغيير تنظيمي داخلي، بل يمثل زلزالاً سياسياً حقيقياً في سنة انتخابية حاسمة، إذ يفتح الباب أمام سلسلة من التحولات داخل الحزب الحاكم، ويعيد رسم خرائط التحالفات في الحكومة المقبلة.

تأتي هذه الخطوة في ظل ظرف اجتماعي مضطرب: تصاعد الاحتجاجات ضد الغلاء المستمر، خاصة أسعار الوقود التي يظل ملفها تحت تحكم أخنوش، إلى جانب ارتفاع تكلفة المواد الغذائية، ما خلق ضغطاً شعبياً لم تشهده الحكومة منذ سنوات.
انسحاب أخنوش من رئاسة الحزب ومن السباق الانتخابي يرسل رسالة مفادها تهدئة التوترات الاجتماعية والسياسية قبل انتخابات 2026. فالمشهد يتعقد أكثر بسبب شخصيته التي لم تكن متجذرة سابقاً في الحزب، حيث دخل السياسة باعتباره تكنوقراطاً، ما يجعل أي انتقال للقيادة فرصة أو تحدياً كبيراً للتيارات الداخلية. هذا الانسحاب يطرح أسئلة حاسمة: من سيقود الحزب؟ هل ستستمر التحالفات الحالية كما هي، أم أن هناك إعادة ترتيب كبرى على مستوى الحكومة؟ وكيف ستتفاعل القوى السياسية الأخرى مع الفراغ الذي سيتركه أخنوش؟

انسحاب أخنوش من قيادة الحزب والسباق الانتخابي يمكن فهمه أيضاً كخطوة تكتيكية للتهدئة الداخلية والخارجية، فالحزب الحاكم أصبح تحت ضغط مزدوج: من جهة مطالب المواطنين، ومن جهة أخرى التوازنات داخل الحكومة نفسها، خصوصاً بين مكونات التحالف. القرار يعطي مساحة لأعضاء الحزب، وعلى رأسهم المكتب السياسي، لإعادة ترتيب الأوراق وتجهيز قيادة جديدة تستطيع التفاعل بسرعة مع الاحتجاجات الاقتصادية والاجتماعية، دون أن يظل مركز القرار متمركزاً حول شخص واحد.

علاوة على ذلك، يُمكن قراءة القرار كاستجابة غير مباشرة للتحديات التي تواجه الحكومة في تقديم حلول سريعة للأزمات المعيشية، خصوصاً في ظل تصاعد الانتقادات حول ضعف البرامج الاقتصادية وعدم كفاية الإجراءات الاجتماعية. انسحاب أخنوش يفتح الباب أمام إعادة توزيع الأدوار داخل الحزب والحكومة، ويمنح الفرصة للأحزاب المشاركة في التحالف لتقديم مبادرات جديدة، أو لتعديل استراتيجياتها السياسية والاقتصادية بما يتناسب مع مطالب المواطنين قبل الانتخابات المقبلة.

بهذا الشكل، يمكن القول إن القرار لم يكن مجرد مسألة تنظيمية داخل الحزب، بل أداة سياسية لتخفيف التوتر الاجتماعي، وإعادة التوازن داخل الأغلبية، مع تعزيز صورة الحزب الحاكم أمام الرأي العام كمستجيب لمطالب المواطنين، خصوصاً في ملف الغلاء والقدرة الشرائية.

بالإضافة إلى ذلك، مشاركة هؤلاء الشباب تفتح الباب أمام إعادة تشكيل صورة السياسة المغربية، بحيث تصبح أكثر ديناميكية، شفافية، وتمثيلية، وتخلق جسرًا بين المواطن العادي وصانعي القرار، ما قد يُحدث تحوّلًا طويل الأمد في طريقة ممارسة السياسة في المغرب بعد انتخابات 2026.

انسحاب أخنوش سيترك فراغاً سياسياً في قلب حزب رئيسي في الأغلبية الحكومية، وسيفتح المجال في صراع محتدم على من سيتولى قيادة الحزب في المؤتمر السابع المقرر في 7 فبراير 2026، هل من داخل قيادة الحزب أو عبر استقطاب شخص من خارج الحزب، وهو أمر له خصوصية كبيرة لأن أخنوش نفسه كان قبل ولوجه السياسة والتجمع تكنوقراطاً وليس له جذور حزبية قديمة داخل التجمع الوطني للأحرار.

في الكواليس السياسية وفي الصالونات الحزبية، يُشير المراقبون إلى أن فوزي لقجع، بصفته تكنوقراطاً أيضاً، يمكن أن يكون أحد المرشحين الرئيسيين لقيادة التجمع الوطني للأحرار، إلى جانب أوجار، عضو المكتب السياسي ووزير العدل وحقوق الإنسان سابقاً، والذي يُنظر إليه كأحد الأسماء القوية لإعادة ترتيب الحزب داخلياً. هذا التنافس قد يولد توتراً بين التيارات داخل الحزب، ويحدد اتجاه التجمع في الاستحقاقات المقبلة.

هل يترك أخنوش ارتداد داخل التجمع وداخل مكونات الأغلبية
إعلان أخنوش عدم ترشحه لرئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار وعدم خوضه الاستحقاقات التشريعية المقبلة لم يمرّ كحدث داخلي معزول، بل سيخلّف ارتدادات سياسية داخل الأغلبية الحكومية وخارجها. فالأحزاب المشاركة في الحكومة، وعلى رأسها حزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة، وجدت نفسها أمام معطى جديد يُربك حساباتها الانتخابية والتحالفية، خصوصاً وأن التحالف الحكومي الحالي بُني إلى حدّ كبير حول شخصية رئيس الحكومة وثقل حزبه الانتخابي.

في المقابل، تلقّت أحزاب المعارضة القرار باعتباره مؤشراً على بداية تآكل النموذج الذي قاد الحكومة خلال الولاية الحالية، واعتبرته دليلاً على أن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى الاحتقان الشعبي، بدأت تُحدث أثرها داخل بنية القرار السياسي، حتى وإن لم يُصرّح بذلك بشكل مباشر.

انسحاب أخنوش وغيابه عن رئاسة الحزب وعن السباق التشريعي يفتح المجال أمام إعادة ترتيب خريطة القوى السياسية المغربية قبيل انتخابات 2026. التوقعات الأولية تشير إلى أن ترتيب القوى قد يكون كالتالي: حزب الأصالة والمعاصرة في الصدارة، يليه المرشحون من حزب الأحرار بدون دعم أحزاب أخرى، ثم العدالة والتنمية، ومن ثم التجمع الوطني للأحرار، يليه حزب الاستقلال، الحركة الشعبية، التقدم والاشتراكية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وأحزاب متوسطة وصغيرة أخرى.

في ظل هذه المعطيات، من الممكن أن تشهد الانتخابات المقبلة تشكيل حكومة جديدة تعتمد على العدالة والتنمية، مدعومة بالأحزاب المتوسطة، إلى جانب التقدم والاشتراكية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحركة الشعبية، وجبهة القوى الديمقراطية، مع مشاركة بعض الشباب اللا منتمون من المرشحون بلا تزكية حزبية، وربما تمثيل من حزب نبيلة منيب. في سيناريو متقدم، قد تؤدي هذه التحالفات إلى تعيين امرأة كرئيسة للحكومة، وهو احتمال يعكس التحولات المجتمعية والسياسية التي تشهدها الساحة المغربية.

في هذا السياق، أصبح الشباب الذين سيترشحون أحراراً بدون انتماء حزبي عنصرًا جديدًا ومحركًا محتملًا في المشهد السياسي المغربي. تشير التكهنات إلى أنهم قد يحققون نجاحًا ملموسًا في عدة دوائر انتخابية بالمملكة، خصوصاً في المناطق الحضرية حيث تتزايد المطالب بالتجديد السياسي وتمثيل الشباب في البرلمان.

هذا النجاح المحتمل لا يمنحهم فقط وزنًا سياسيًا أكبر داخل الهياكل التشريعية، بل يضع أيضًا ضغطًا على الأحزاب التقليدية لتقديم برامج أكثر استجابة لتطلعات المواطنين، خاصة في ملفات التعليم، الصحة، الغلاء، البطالة، والخدمات الاجتماعية.
كما يمكن أن يكون دافعًا لشباب آخرين من مختلف المدن للمشاركة في الحياة السياسية، والتسجيل كمرشحين مستقلين، أو الانضمام إلى أحزاب معنية بالتجديد.

كما يساهم في سد الباب أمام الممارسات التي سيتبناها برلمانيون حاليون بتوريث دوائرهم لأبنائهم أو أقاربهم، وهو ما يستدعي تصدي وزارة الداخلية ومراقبتها الدقيقة لعملية الانتخابات لضمان عدم تمرير مثل هذه المحاولات، والحفاظ على نزاهة التمثيل الشعبي.

هذه التوقعات ليست مجرد فرضيات نظرية، بل تعكس خبرة تمتد لأكثر من 40 سنة في متابعة التحولات السياسية والمهنية. انسحاب شخصية مركزية مثل أخنوش يمكن أن يشكل نقطة تحول تؤثر في التحالفات، توزيع الأدوار، وبرامج الأحزاب قبيل الانتخابات.

كما يجب مراعاة الحساسية الاجتماعية والاقتصادية، إذ أن الغلاء واحتقان الشارع يزيدان من تعقيد المشهد ويشكلان ضغطاً إضافياً على القيادات السياسية. لذلك، أي تغيّر في موقع شخصية قيادية يشكل اختباراً لقدرة الأحزاب على التكيف، التحالف، والحفاظ على المصداقية أمام المواطنين، ما يجعل الاستشراف السياسي أداة ضرورية لفهم ما يحمله المستقبل من تحديات وفرص تليق بحكومة مونديال 2030 .

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*