الدار البيضاء – 21 ماي 2026
في ضربة قاسية لرموز الفساد الذين اعتقدوا أن المناصب العليا درع يحميهم من المحاسبة، أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، اليوم الخميس، حكما تاريخيا بإدانة الوزير الأسبق والبرلماني ورئيس جماعة الفقيه بن صالح محمد مبديع بـ13 سنة سجنا نافذا، مع مصادرة مبلغ 30 مليون درهم (3 مليارات سنتيم) وغرامة إضافية قدرها 100 ألف درهم.
هذا الحكم ليس مجرد قرار قضائي عادي.. إنه إعلان صريح أن زمن “الفساد المقنّع بالسلطة” قد ولى، وأن المال العام ليس ملكا شخصيا لمن يتولى المسؤولية.
سنوات من النهب المنهجي
مبديع، الذي شغل مناصب عليا في الدولة (وزير منتدب، رئيس لجنة برلمانية، برلماني، ورئيس جماعة لأكثر من 23 سنة)، تورط في شبكة فساد كبيرة شملت تبديد أموال عمومية، استغلال النفوذ، الارتشاء، والتزوير في وثائق رسمية. صفقات عمومية بملايير السنتيمات خُصصت لمشاريع وهمية أو غير منجزة: تبليط شوارع، إنارة عمومية، تهيئة حضرية.. كلها أُعلن عن إنجازها على الورق بينما بقيت على الأرض مجرد أحلام للمواطنين.
الجماعة الترابية نفسها طالبت بإرجاع عشرات الملايير، فيما كشفت تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للداخلية عن اختلالات خطيرة في التسيير المالي والإداري. مكاتب دراسات ومقاولات “مقربة” حصدت الصفقات، بينما بقي السكان يعانون من غياب أبسط الخدمات.
“لست شفارا”.. والقضاء يقول غير ذلك
دافع مبديع عن نفسه بأن ثروته جاءت من “معاملات فلاحية وتجارية”، وأن رصيده البنكي “لا يتجاوز 3.5 مليار سنتيم”، وأن كل الصفقات كانت تحت إشراف وزارة الداخلية. لكن القضاء رأى في الأدلة والتقارير الرسمية ما يكفي لإدانته بأثقل العقوبات.
الحكم شمل أيضا متهمين آخرين بأحكام تتراوح بين سنتين و7 سنوات سجنا نافذا، فيما سقطت بعض الدعاوى بالتقادم.
رسالة قوية.. وتحدٍّ مستمر
هذه القضية، التي استمرت محاكمتها أكثر من ثلاث سنوات، ليست مجرد محاسبة لرجل واحد. إنها رمز لكل من يستغل المنصب العمومي ليثري نفسه على حساب الشعب. كم من المدارس والمستشفيات والطرق ضاعت بسبب هذا النهب؟ كم من المواطنين البسطاء دفعوا الثمن غاليا بينما كان “العلي بابا” ينعم بثروات مشبوهة؟
اليوم، وبينما يقبع مبديع وراء القضبان، يجب أن يكون هذا الحكم بداية لا نهاية. لا يكفي أن يُحاكم “الكبير” فقط؛ يجب تطهير كل المؤسسات من الفاسدين الصغار والكبار، وتعزيز الشفافية في الصفقات العمومية، وتفعيل آليات الرقابة بشكل حقيقي لا شكلي.
الفساد ليس مجرد جريمة..
إنه خيانة للوطن وللمواطن.
اليوم سقط واحد من رموزه.
غدا يجب أن يسقط الباقون.
العدالة تحركت.. فهل تستمر؟
قم بكتابة اول تعليق