في حلقة استثنائية من برنامج “ساعة شعر”، حلّ الشاعر مراد العملاوي ضيفاً على الحلقة الرابعة عشرة، في أمسية غصّت بجماليات اللفظ وعمق المعنى، حيث كشفت الحصة عن ملامح تجربة شعرية فريدة تزاوج بين صرامة اللغوي وتحرر المبدع،.
هندسة القصيدة وشغف الصنعة:
يُعد مراد العملاوي من الشعراء الذين يعلون من شأن “الصنعة الشعرية”، فهو يرى أن الشعر “علم وفن” لا ينفصلان، وأن القصيدة هي نتاج اشتغال واعي يبدأ بدفقة شعورية أولى ثم يستحيل إلى عملية تنقيح دقيقة،. وقد أشار في حديثه إلى كلفه الشديد بالمحسنات البديعية من جناس وطباق وتورية، معتبراً إياها نوعاً من “استعراض العضلات” اللغوية وتحدياً للذات في تطويع الحرف،. حتى في الجانب الإيقاعي، يبدو العملاوي وفياً لأذنه الموسيقية، حيث يفضل بحر “المنسرح” بتعديلات نغمية خاصة تلائم ذوقه الفني،.
الزهد في النشر ولعنة “الحوليات” :
رغم غزارة إنتاجه الشعري وتعدد مشاركاته في الملتقيات، إلا أن العملاوي يمارس نوعاً من “التقشف” في النشر، حيث لم يصدر له سوى ديوان واحد. وعزى الشاعر هذا الزهد إلى طبيعته التي لا ترضى عن النص بسهولة، إذ يظل يشتغل على القصيدة تنقيحاً وزيادةً ونقصاً حتى بعد اكتمالها، متبعاً نهج أصحاب “الحوليات” الذين لا يفرجون عن نصوصهم إلا بعد نضج طويل،. فبالنسبة له، “القصيدة تبقى دائماً قابلة للتعديل”، ونشر نص غير مكتمل هو بمثابة “قتله”،.
بين عالم الورق وفضاء “الافتراض” :
في موقف نقدي من وسائل التواصل الاجتماعي، أكد العملاوي غيابه الاختياري عن النشر الرقمي المكثف، معتبراً أن “رائحة الورق” لها متعة لا تضاهى، وأن الفضاء الافتراضي رغم ما أتاحه من فرص لاكتشاف أصوات جديدة، إلا أنه يفتقر للرقابة الفنية وأدى أحياناً إلى هدر الوقت والاعتماد على معلومات غير دقيقة،.
ثنائيات الذات: الغرور والتواضع :
تخللت القصائد التي ألقاها العملاوي مسحات من الحزن والسخرية، وبرز صراع خفي بين “تواضع” يدعو إليه و”غرور” يمارسه على المنصة كجزء من طقوس الأداء الشعري الذي يقتضي أحياناً خطاباً من “برج عاجي” لإيصال الفكرة،. كما لم تخلُ تجربته من أبعاد روحية، تجلت في قصيدته الختامية التي خصصها لمدح الجناب النبوي، واصفاً إياها بأنها أسمى من رهان السباق وأرقى من المقال،.
خاتمة تفيض إبداعاً :
انتهت “ساعة شعر” لكن صدى قوافي مراد العملاوي ظل يتردد في الفضاء الثقافي، كاشفاً عن شاعر يرفض السقوط في فخ التكرار، ويصر على أن يبقى “شبيهاً لنفسه”، يغزل من “غصته وسواغه” قصائد تتأرجح بين جنون الساحر وحكمة الحكيم
قم بكتابة اول تعليق