تقف منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره أمام لحظة مفصلية مع اقتراب الأجل الذي حدده الرئيس دونالد ترامب في السابع من أبريل 2026، حيث يلوح بضربة “مزلزلة” ضد إيران بعد أكثر من شهرين من صراع عسكري مرير بدأ في فبراير الماضي تحت مسمى عملية “فورييه إيبيك” (Epic Fury).
إن تحليل احتمالية تنفيذ هذا التهديد يتطلب الغوص في تعقيدات المشهد الميداني والاقتصادي الذي كشفته الوثائق، حيث يظهر جلياً أن الولايات المتحدة تجد نفسها عالقة في “حرب استنزاف” غير متكافئة قلبت موازين القوى التقليدية، إذ تحولت القوة العسكرية الأمريكية العظمى إلى ما يشبه “نمر من ورق” أمام استراتيجية الرد الإيرانية المعتمدة على السلاح الرخيص والفعال في آن واحد.
وتشير المعطيات السياسية إلى أن تهديد ترامب الأخير قد يندرج ضمن أسلوبه المعهود في “الهجاء المبالغ فيه” (hyperbole véridique)، وهو تكتيك تفاوضي يهدف لترهيب الخصم لكنه واجه فشلاً ذريعاً مع طهران في محطات سابقة. نذكر أنه في الثاني والعشرين من مارس الماضي، أطلق ترامب تهديداً مماثلاً بقصف محطات الكهرباء الإيرانية ما لم يُفتح مضيق هرمز، إلا أنه اضطر للتراجع وإعلان تمديد المهلة بعدما ردت إيران بخطة تصعيد مضادة تستهدف النظام الكهربائي الإسرائيلي والشركات ذات المساهمين الأمريكيين في المنطقة.
هذا النمط من “التبجح” السياسي الذي يتبعه تراجع عند الاصطدام بحائط الردع الإيراني يقلل من احتمالية كون الضربة القادمة عسكرية تقليدية شاملة، ويجعلها تبدو كمحاولة أخيرة لانتزاع تنازلات ديبلوماسية قبل الانهيار الكامل للموقف الأمريكي.
من الناحية العسكرية والمادية، يواجه البنتاغون أزمة حادة في المخزونات والتمويل تجعل من أي تصعيد “عنيف” مقامرة غير مأمونة العواقب؛ فقد بلغت تكلفة الحرب في أيامها الأولى مستويات خرافية، حيث أعلن البنتاغون عن إنفاق 11.3 مليار دولار بحلول العاشر من مارس.
وتكشف المصادر عن مفارقة صادمة في كلفة المواجهة، حيث تضطر واشنطن لإطلاق صواريخ “باتريوت” بقيمة ملايين الدولارات لإسقاط مسيرات “شاهد” إيرانية لا تتجاوز تكلفتها 35 ألف دولار، مما يضع الخزانة الأمريكية في “سباق نحو الإفلاس“،. ومع نفاذ مخزونات صواريخ الاعتراض مثل “باتريوت” و”ثاد” وعدم قدرة المجمع الصناعي العسكري على تعويضها سريعاً، تصبح القدرة على شن هجوم “مزلزل” مستدام موضع شك كبير.
علاوة على ذلك، فإن البعد الجيوسياسي والاقتصادي يفرض قيوداً ثقيلة على قرار الحرب، إذ أدى الصراع بالفعل إلى قفزة في أسعار النفط لتتجاوز 100 دولار للبرميل، مما يهدد استقرار الدولار الأمريكي المرتبط بسوق المحروقات.
وفي سياق متصل، برزت تحالفات إقليمية جديدة بقيادة باكستان وتركيا ومصر والسعودية تهدف للحد من الطموحات النووية الإسرائيلية وتطالب بالتهدئة، مما عزل الموقف الأمريكي-الإسرائيلي دولياً،. كما أن ترامب يواجه ضغوطاً داخلية هائلة بعد انفجار حركة “ماجا ” (MAGA) التي رفضت توريط البلاد في حرب شاملة من أجل مصالح إسرائيلية بحتة، وهو ما أفقده جزءاً كبيراً من قاعدته الشعبية.
ورغم كل هذه الكوابح، تظل احتمالية وقوع الضربة قائمة تحت ضغط “اليأس الاستراتيجي” الإسرائيلي، حيث تشير الوثائق إلى أن تل أبيب، التي استُنزفت جيوشها على سبع جبهات، تدرس بجدية “خيار شمشون” أو اللجوء للسلاح النووي لإنهاء المقاومة الإيرانية.
إن التحالف بين نتنياهو، المتمسك بإيديولوجية “الصهيونية التصحيحية”، وترامب قد يدفع باتجاه تصعيد نووي محدود أو ضربات نوعية خاطفة لتجنب الهزيمة الميدانية المحققة. لذا، فإن الضربة المرتقبة في السابع من أبريل، إن حدثت، قد لا تكون ضربة تقليدية واسعة بل محاولة لكسر إرادة طهران عبر استهداف قيادات عليا أو منشآت حيوية، مع بقاء خطر الانزلاق إلى مواجهة نووية شاملة كأخطر سيناريو يهدد الحضارة البشرية.
قم بكتابة اول تعليق