ما بعد الإعلان عن مكونات الاغلبية: ادريس لشكر ينسج خطابا يحاول استرجاع نفس للسياسة

في الاستوديو، مساء الثلاثاء، كان الصوت هادئاً. إدريس لشكر يجلس أمام الكاميرا في «نقطة إلى السطر»، بعد يوم واحد فقط من إعلان الأغلبية الرباعية. لا يرفع نبرته، ولا يبتسم ابتسامة المنتصر. يتحدث عن المشاورات كما لو كان يفكك آلية: جولة أولى للاستكشاف والإنصات، ثم جولة ثانية للتعاقد والبرامج. يميز بين الضبابية السابقة والفرز الذي يُفترض أن يحصل الآن بين أغلبية متماسكة ومعارضة واضحة. يضع التكنوقراط في مكانه: أداة، لا قرار. ويستعيد، دون تكلف كبير، اسم الكتلة التاريخية لا كشعار، بل كإطار يمنح التحالف الحالي شيئاً من العمق.

هذا الكلام، في حد ذاته، ليس جديداً على من يتابع لشكر. الجديد هو موقعه في اللحظة. الأغلبية أُعلنت للتو، والبرلمان انتخب رئيسه، والعيون تتجه إلى المائة يوم الأولى وقانون المالية. في هذا الفراغ القصير بين الإعلان والتنفيذ، يظهر خطابٌ يحاول أن يُعيد ترتيب المعنى.

إعادة ترتيب المعنى هنا ليست شعاراً. هي عملية بسيطة في ظاهرها ومعقدة في أثرها. بدل أن يبقى التركيز على «من دخل ومن خرج»، يُنقل الانتباه إلى طبيعة الحكومة نفسها.

  • هل القرار سيبقى سياسياً، صادراً عن أحزاب تحمل برامج ومسؤولية انتخابية، أم سيُترك للتقنوقراط الذين يديرون دون أن يُحاسبوا سياسياً؟
  • هل البرلمان سيستعيد دوراً رقابياً حقيقياً، أم سيظل فضاءً لتسريع ما تأتي به الحكومة؟
  • هل المعارضة القوية ستكون عائقاً أم ضرورة تُجبر الأغلبية على الانضباط؟

هذه الأسئلة لا تلغي الأرقام، لكنها تضعها في مرتبة ثانية. المعنى لم يعد «تشكلت أغلبية»، بل «أي نوع من السياسة ستُمارس داخل هذه الأغلبية».

هذا الترتيب يختلف عما يُنتجه الآخرون. قارن ذلك بما يصدر عن عبد اللطيف وهبي في الأسابيع نفسها، حين يتحدث، يُنتج معنى لحظياً: تصريح يُقطع، جدل يشتعل، ثم يختفي. المعنى هنا هو الإثارة نفسها، وهو معنى يستهلك نفسه بسرعة لأنه لا يبني إطاراً يدوم. وهبي لا يفكك. هو يُطلق. تصريح عن الخصوصية هنا، وموقف قانوني مثير هناك، وعبارة تُقطع وتُعاد على المنصات. الحداثة في خطابه مباشرة، أحياناً استفزازية، وكأنها تُختبر على جمهور لا يزال، في أغلبه، أكثر تحفظاً مما يفترضه أصحاب الشعارات. الجمهور يتفاعل، يغضب أو يسخر، ثم ينتقل إلى التالي. لا يبقى إطار يُعاد التفكير فيه. الإثارة تعمل، لكن الإقناع لا يدوم.

بنسعيد يُنتج معنى إدارياً: ملف هنا، مؤشر هناك، صعوبة تحالف في مكان ثالث. كلامه صحيح في جزئياته، لكنه يبقى داخل حدود التدبير، فلا يرتقي إلى مستوى يعيد تعريف المرحلة. فهو يتحرك على مسافة أقرب إلى التدبير. كلامه عن لوبي المحروقات أو مراجعة مؤشر الدعم الاجتماعي يبدو مرتبطاً بملفات ملموسة، وهو كذلك. لكنه يبقى في مستوى الملاحظة العملية. لا يبني على هذه الملاحظات سردية أوسع، ولا يضعها داخل معادلة مؤسساتية. في المواجهات التلفزيونية يظهر مدافعاً أو مبرراً أكثر مما يظهر صانعاً لموقف. يخرج المشاهد وقد فهم الجزئية، دون أن يفهم أين يقف المتحدث سياسياً خارج منطق اليوم.

المنصوري، من موقعها، تُنتج معنى رسمياً آمناً: انسجام، تقارب، كفاءة، رؤية إصلاحية. هذا المعنى ضروري للإعلان، لكنه لا يُغير شيئاً في طريقة فهم الناس لما يحدث. هو يُثبت الحدث دون أن يُفسره. خطابها حتى الآن هو خطاب الموقع بامتياز. «حكومة سياسية قوية ومنسجمة»، «تقارب فكري»، «رؤية إصلاحية»، «كفاءة ونزاهة». اللغة منضبطة ومناسبة للإعلان الرسمي. لكنها تبقى على السطح. لا نقد صريح للتجربة السابقة، ولا تفكيك لآليات القرار، ولا استعادة لمعنى يتجاوز الرمزية التاريخية لتعيين امرأة في المنصب. في لحظة يُطلب فيها من الأغلبية أن تُقنع، يبدو هذا الخطاب رمادياً أكثر مما هو آمناً.

لشكر، في المقابلة، لا ينافس أحداً على الموقع. هو يملأ فراغاً. يستعيد لغة السياسة كما كانت تُمارس في تقاليد القوات الشعبية: مؤسسات، توازنات، مرجعية، عقد. حين يتحدث عن إنهاء حالة التغول، أو عن ضرورة أن يبقى القرار سياسياً لا تقنياً، أو عن أدوات مثل ضبط تضارب المصالح في قرارات التعمير، فإنه لا يبتكر مفاهيم جديدة بقدر ما يعيد إدخال مفردات كانت غائبة عن الخطاب الرسمي للأغلبية. الفرز بين أغلبية ومعارضة، القرار السياسي مقابل الأداة التقنية، المرجعية التاريخية للكتلة، ضرورة ضبط تضارب المصالح بآليات مؤسساتية لا بنيات حسنة.

هذه المفردات لا تُضيف معلومات جديدة بقدر ما تُعيد ترتيب الأولويات. فجأة، لم يعد السؤال الأهم هو كم حقيبة سيحصل عليها الاتحاد، بل هل ستنجح هذه الأغلبية في أن تكون سياسية بمعنى الكلمة، أي قادرة على اتخاذ قرارات جريئة وتحمل كلفتها، أم ستكتفي بإدارة ما هو قائم.

هذا الإدخال يمنح التحالف، مؤقتاً على الأقل، طبقة من الشرعية السياسية لا توفرها الخروجات الأخرى.

إعادة ترتيب المعنى بهذا الشكل تحمل مخاطرة. هي تجعل الخطاب أبطأ وأقل بريقاً، وتضعه أمام اختبار سريع: هل ستُترجم هذه الأسئلة إلى قرارات في قانون المالية وفي المائة يوم الأولى، أم ستبقى إطاراً تحليلياً جميلاً في بداية المرحلة؟ لكنها، في اللحظة الراهنة، تملأ فراغاً واضحاً.

الأغلبية أُعلنت، والرموز وُضعت، والأرقام حُسبت. ما لم يُحسب بعد هو المعنى السياسي الذي سيحمله الناس عن هذه الحكومة.

في استوديو «نقطة إلى السطر»، كان هناك صوت واحد حاول أن يُعيد للحديث السياسي شيئاً من جدّيته أوجاذبيته، او لنقل صوت حاول أن يضع هذا المعنى في مكانه، لا أن يتركه يتشكل وحده من البيانات والتصريحات العابرة.

تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*