المرزوقي: سيناريوهات التعديل الحكومي..أي سيناريو قادر على مواجهة الهاشتاغ؟

اهتم الناس هذا الصيف بحرارة الأسعار أكثر من اهتمامهم بحرارة الطقس التي وصلت أرقاما عالية في مجموع التراب الوطني، كما اهتم الناس بندرة التواصل الحكومي دون أي اهتمام بندرة المياه التي توحي بأزمة قادمة.

ذلك هو حال بلادنا خلال هذه العطلة الصيفية، حيث نعيش إيقاعا سياسيا يتميز بحركية ودينامية مهمة في “مواجهة” حكومة رغم أنها لم تُكمل سنتها الأولى على أرض الواقع، حتى وجدت نفسها في مواجهة رأي عام إلكتروني عارم. إنها الحكومة التي تسلمت مهامها وهي في نشوة من “انتصاراتها” المتعددة المستويات على صعيد تشكيل مؤسسات على مقاس ثلاث أحزاب هيمنت على مجلسي البرلمان (مجلس النواب ومجلس المستشارين)، والجماعات الترابية بمستوياتها الثلاثة (الجهات، والعمالات والأقاليم، والجماعات)، والغُرَف المهنية بأنواعها الأربعة (غرف التجارة والصناعة والخدمات، الغرف الفلاحية، غرف الصناعة التقليدية، وغرفة الصيد البحري).

كان واضحا منذ البداية أن هناك خلل ما. لقد دخلت الحياة السياسية المغربية مرحلة النمطية السياسية المرفقة بالغموض المطلق. فلا الأغلبية منسجمة، ولا المعارضة متجانسة. تعرض رئيس الحكومة ومن وراءه التجمع الوطني للأحرار لحملة شرية، فلا حزب الأصالة والمعاصرة سانده، ولا حزب الاستقلال حرك ساكنا، ويقابل ذلك أن مبادرات المعارضة كانت تصطدم بتصريحات رئيس أحد مكوناتها التي تضع علامة استفهام كبرى على ما يقع.

جو سياسي مثل هذا، لا يُمكنه إلا أن يسير بالبلاد نحو أفق مسدود. كل المبادرات التي لقيت التأييد والدعم كانت مبادرات ملكية. الملك يَشتغل، يُبادر، يُوجه، يُشرف، والحكومة خارج الزمن السياسي، منشغلة بقضايا غير ذات تأثير على الرأي العام.

وعلى ضوء الحديث الرائج عن تعديل حكومي، يحق لنا أن نتساءل عن أي مستقبل للأغلبية الحكومية، وماذا ستستفيد منه المعارضة؟ وأي سيناريو قادر على مواجهة هاشتاغ “أخنوش ارحل”؟

أولا: عن الوضعية الحزبية

أعتقد أن الجواب يتطلب استحضار عناصر كثيرة، منها مثلا انعدام سوابق في إدخال تعديلات على التشكيلة الحكومية قبل منتصف ولايتها. ويمكن هنا الرجوع لتجربة الحكومات السابقة، بما في ذلك حكومات ما قبل دستور 2011 .

ينبغي كذلك استحضار كون التشكيلة الحكومية الخالية لا تعكس واقعا سياسيا محددا. فالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لا يمكن ان يكون مكانه موضوعيا إلا بجانب التجمع الوطني للأحرار حيث التقيا موضوعيا في مواقف عديدة. ولا يزال عالقا بالأذهان منها البلوكاج الحكومي عند محاولة تشكيل الحكومة الثانية لعبد الإله بنكيران.

كما أن كلا من الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري اللذيْن يعتبران الثابت في التشكيلات الحكومية المتعاقبة منذ زمان لا يمكن أن يمارسها معارضة ليس بينها وبينهم أي علاقة.

وبنفس النطق فإن حزب الاستقلال كانت وضعيته دائما مريحة بجانب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أكثر منها بجانب أحزاب أخرى. وحتى حزب التقدم والاشتراكية، فإن إعادة تنظيم نفسه تفرض عليه التقرب من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

أما حزب الأصالة والمعاصرة، فإن موقعه السياسي أصبح صعبا جدا، فهو لا يصلح للمعارضة التي لم يُبدع فيها سابقا حتى في ظل حكومة “خصمه” اللذوذ، ولا يمكنه المساهمة أكبر من روافد مكوناته: فالأشخاص الذين يشكلون “الأصالة” ليسوا إلا تجميعا من أحزاب الأعيان، والأشخاص الذين يشكلون “المعاصرة” ليسوا إلا رُحلا من تيارات يسارية.

ثانيا: عن الوضعية السياسية

تتميز الوضعية السياسية العامة بما يلي:

– مبادرات ملكية قائمة على إرساء دعائم النموذج التنموي الجديد، ونظام الحماية الاجتماعية الموسعة، ورفع الاختلالات التي تعيق المزيد من اندماج النساء في المسلسل التنموي الشمولي؛

– عمل حكومي لم يستطع الوصول إلى تطلعات الفئات الاجتماعية خاصة منها الهشة والفقيرة، بل وصل التذمر فئات أعلى منها، مما جعلنا أمام حكومة في وضعية غير مريحة: هيكلة أبانت عن عدم قدرتها على الإحاطة بالمشاكل، رئيس في وضعية تناف واضح في قضية المحروقات، “وزراء أشباح” لم نسمع عنهم أي شيء، ومواكبة حكومية للعمل البرلماني باهتة…؛

– تذمر اجتماعي قائم على تحميل مسؤولية الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للحكومة التي أبانت عن عجزها على حل بعض هذه الإشكالات، بجانب معارضة مترددة.. شرسة في مواضيع معينة.. وحذرة في مواضيع أخرى.

فهل يُشكل التعديل الحكومي حلا مناسبا؟ وما هي السيناريوهات الممكنة؟

ثالثا: الورش الملكي لمراجعة مدونة الأسرة

فتح صاحب الجلالة ورشا إصلاحيا كبيرا يهم كل المغربيات والمغارية.. موضوع يهم الرجال والنساء.. الأفراد والأسر.. مغاربة الداخل ومغارية الخارج.. الكبار والصغار.. إنه ورش مراجعة مدونة الأسرة الذي يُمكن أن يتم وفق مقاربة تشاركية موسعة بثلاث وسائل ممكنة:

– إما أن يستعمل صاحب الجلالة صفته كأمير للمؤمنين من خلال إحداث لجنة خاصة تتولى هذا الغرض، كما وقع سابقا؛

– وإما أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها في تحضير المراجعة من خلال مشروع قانون يتولى البرلمان مناقشته والتصويت عليه.

ولا أعتقد أن فريقا أو مجموعة نيابية قادرة على بلورة مقترح قانون متكامل في الموضوع.. حتى ولو اجتمعت فرق المعارضة كاملة، أو حتى فرق الأغلبية نفسها.

– أما الإمكانية الثالثة، فإنها تتطلب بعض الوقت، وتتمثل في تنصيب كل من المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، وهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، ليقوما بالمهمة إلى جانب المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

رابعا: أسئلة حارقة حول مستقبل الحكومة

وبالموازاة مع الأوراش الملكية الإستراتيجية والمُـهَيْكِلة، حضرت وتحضر الحكومة النصوص اللازمة للتأطير القانوني لتأطيرها.

– فهل سيتم توقيف هذا المسلسل من خلال تعديل حكومي يكون بمثابة منطلق جديد لحكومة لا زالت لم تضع برامجها على السكة الصحيحة؟

– وهل أصلا نحن في حاجة لتعديل حكومي؟

– وما هو حجم هذا التعديل الحكومي؟

– وهل سيكون ضمن نفس الأغلبية القائمة؟

– وهل يمكن تطعيم الاختلال الحكومي بمُكَون أو مكونات من المعارضة؟

– وكيف ستتعامل الأحزاب السياسية التي صوتت ضد البرنامج الحكومي إذا تمت دعوتها للالتحاق بالحكومة؟

– وكيف سيتعامل الحزب أو الأحزاب التي قد تغادر الحكومة وتلتحقق بالمعارضة وهي التي ساهمت في وضع البرنامج الحكومي؟

أسئلة جوهرية، تتطلب عدم التسرع في الإجابة، والاقتصار على وضع السيناريوهات الممكنة التحقيق، وعددها ستة (6).

خامسا: ست سيناريوهات ممكنة

السيناريو الأول: لا تعديل في الأفق

إنه السيناريو الأقل حظوظا، فلا يُمكن مواجهة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها بلادنا إلا بدينامية جديدة مهما كان حجمها.

إلا أن الممارسة السابقة أثبتت أن جل التعديلات المهمة كانت تقع في منتصف الولاية، أي بعد سنتيُن ونصف، عند تحضير أو عرض الحصيلة المرحلية للحكومة أمام البرلمان.

السيناريو الثاني: تعديلات جزئية بسيطة

ويتعلق الأمر بإحلال وزراء محل آخين في قطاعات غير استراتيجية. فلا يُمكن مثلا تصور تعديل يهم وزارة الفلاحة، أو وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، أو وزارة الاقتصاد والمالية، أو تعديل يهم رؤساء الأحزاب السياسية لكل من حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال…

وأعتقد أن هذا السيناريو هو الأوفر حظا، بل يُمكن أن يتم بشكل آخر من قبيل إضافة كتاب الدولة لتدعيم عمل بعض الوزراء الذين يُشرفون على قطاعات “ضخمة”.

السيناريو الثالث: تعديلات جزئية موسعة من داخل الأغلبية

سيناريو قابل للتحقيق من زاوية ضمان الاستمرارية للبرنامج الحكومي وميثاق الأغلبية من جهة، ثم حل الإشكالات الحزبية الداخلية لمكونات الأغلبية. فإذا كان رئيس الحكومة في وضع حزبي مُريح، فإن ما نقرأه عن الحزبيْن الآخرين يعكس حالة التذمر الناتجة عن اختيار الوزراء والتي تُردي عادة إلى ظهور أصوات معارضة، خاصة عندما تكون الأسماء “المستوزرة” غير ذات تاريخ حزبي معروف.

وفي هذه الحالة، سيتم تغيير أسماء بأخرى من داخل الأغلبية ومن نفس الأحزاب المعنية بالتعديلات. ع استحضار الملاحظة السابقة المتعلقة بإمكانية حل هذه المشاكل عن طريق إضافة كتاب دولة لبعض القطاعات الوزارية.

السيناريو الرابع: تعديلات موسعة منفتحة على المعارضة

سيناريو قابل “لامتصاص” بعض التذمر الذي تُحس به الفئات المتضررة من السياسة الحكومية. إن تغييرا منفتحا على المعارضة كفيل على الأقل بإعادة طرح موضوع الكفاءة للنقاش بعد أن مال الرأي العام إلى جواب يُنفي أية كفاءة عن هذه الحكومة.

هذا السيناريو يفتح المجال أمام أقوى حزب في المعارضة، أي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والذي ستميل الكفة لصالحه لتطعيم الأغلبية الحكومية.

وحتى هذا السيناريو له ما يُقابله، مثلا تطعيم الأغلبية بحلفائها التقليديين: الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري، مع استمرارية الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المعارضة لغاية محطة جوهرية أخرى.

السيناريو الخامس: تعديلات موسعة لتغيير الأغلبية

يتطلب هذا السيناريو إحلال حزب أو أحزاب من المعارضة محل حزب أو أحزاب من الأغلبية، وهو ما يفتح المجال لعدة سيناريوهات فرعية.

وتقوم السيناريوهات الفرعية على ثلاث احتمالات:

– إحلال أحزاب من المعارضة محل حزب الاستقلال؛

– إحلال أحزاب من المعاضة محل حزب الأصالة والمعاصرة؛

– إحلال أحزاب من المعارضة محل كل من حزبي الاستقلال والأصالة والمعارضة.

إن هذه الاحتمالات تتطلب الحذر، لأن الأمر لا يتعلق فقط بالتحالفات الحزبية، ولكن أيا وأساسا بما يُقابلها من عدد المقاعد بمجلس النواب قصد ضمان أغلبية برلمانية مريحة. بل إن هذه التعديلات تُعد بمثابة حل مجلس النواب وإجراء انتخابات سابقة لأوانها.

– إحلال أحزاب من المعارضة محل حزب الاستقلال، احتمال قابل للتطبيق، باعتبار أن عدد مقاعد حزب الاستقلال تُغطيها مقاعد كل من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والحركة الشعبية، والاتحاد الدستوري، دون الحديث عن حزب التقدم والاشتراكية؛

– إحلال أحزاب من المعاضة محل حزب الأصالة والمعاصرة، تطرح بعض الصعوبات، باعتبار أن عدد مقاعد هذا الحزب لا يُغطيها عدد مقاعد المعارضة إلا بإضافة مقاعد حزب التقدم والاشتراكية؛

– إحلال أحزاب من المعارضة محل كل من حزبي الاستقلال والأصالة والمعارضة، مسألة شبه مستحيلة إذ لا يُمكن تغطية عدد مقاعدهما معا ولو أدخلنا كل المعارضة للحكومة.

السيناريو السادس: تعديلات جوهرية

في هذا السيناريو تختلط كل السيناريوهات السابقة. فقد يتم إدخال تعديلات من داخل الأغلبية، إلى جانب الانفتاح على المعارضة، مع تغيير المسؤولين عن بعض القطاعات الوزارية أو تنقيلهم لقطاعات وزارية أخرى.

إن تعديلات من هذا الحجم، ستُوازي بدورها حل مجلس النواب وإجراء انتخابات سابقة لأوانها. ويُمكن الوصول لنفس الهدف بهذا السيناريو السادس. وسيكون لهذا السيناريو صدى واسعا وسط الرأي العام، خاصة إذا تم الانفتاح على الأمناء العامين لأحزاب المعارضة، والذين لهم تجرية في تدبير الشأن العام وفي التواصل في نفس الوقت.

بن يونس المرزوقي

أستاذ باحث بكلية الحقوق وجدة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
× GIL24 sur WhatsApp