سي أحمد العربي …ملحمة وطنية من شرق المغرب .

عبد السلام المساوي
ان كل متأمل _ قارئ لتاريخ الحركة الوطنية ، للمسار النضالي الديموقراطي بالمغرب عبر سيرورته التاريخية ، لا بد وأن يقف طويلا ، بكل هيبة وتقدير واجلال ، أمام أسماء تكاد تكون أسطورية بما قدمته من تضحيات ، وما عرفته من معاناة ، وما مورس عليها من إرهاب جسدي ونفسي …في سبيل بناء مغرب ديموقراطي مستقل …في سبيل بناء مجتمع حداثي تحكمه العدالة الاجتماعية ، وفي سبيل ارساء أسس دولة الحق والقانون …لا بد وأن يستحضر رجالا وضعوا المصلحة العليا فوق كل اعتبار …رجالا صنعوا تاريخ المغرب ؛ وجهوه نحو الديموقراطية الحق ، الديموقراطية كمنهج وهدف …من هؤلاء الرجال ؛ المهدي بنبركة _ دينامو قوى الحرية والتحرر ؛ عبد الرحيم بوعبيد _ الزعيم الكاريزمي ؛ عمر بنجلون _ الثوري الاستراتيجي ؛ المجاهد عبد الرحمان اليوسفي _ مهندس الانتقال الديموقراطي ومايسترو التناوب …..
وان كل مواطن ، كل مناضل وكل مهتم بالشأن السياسي ، كل مهتم بتاريخ المغرب ومستقبله الذي يعد بالأمل ؛ وهو يقرأ كل زعيم من هؤلاء الزعماء الوطنيين المناضلين ، لا بد وأن يسجل ان هناك أسماء دالة كثيرة ، حضرت بقوة وفعالية الى جانب هؤلاء الرجال الشامخين بصمودهم والواقفين في في وجه كل الأعاصير والعواصف ..هنا لا بد ان نستحضر بتقدير واعتزاز السي أحمد العربي الذي ولد وترعرع في أحضان مدينة فكيك ؛ معقل النضال الوطني ومنبت التحدي الاتحادي …
في مدينة وجدة الموشومة بعبق التاريخ سيكبر السي أحمد ليتشرب أصول الوطنية ويستلهم قيم الدفاع عن الوطن ؛ سيكبر ويكبر معه الحلم : مغرب مستقل وذو سيادة . سيتفاعل مع الأحداث التي شهدها مغربنا المعاصر ، سيفتح أعينه على أسماء من رموزنا الوطنية …ومن معين لغة المقاومة ونبض الخلايا السرية سيتلقى السي أحمد أبجديات الدفاع عن الوطن ؛ سيفتح أعينه على أول مظاهرة _ مظاهرات شعبية عرفتها مدينة وجدة احتجاجا على تأسيس الدولة الصهيونية . وتضامنا مع الشعب الفلسطيني سنة 1948 وبسبب مشاركته في هذه الانتفاضة الشعبية ، سيعرف أول تجربة اعتقال في حياته النضالية المليئة بالاعتقالات ، اذ سيعتقل ويعتقل …ثماني مرات …
سنة 1952 واثر الأحداث التي أعقبت اغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد ؛ دعا حزب الاستقلال الى القيام بمظاهرات واسعة تضامنا مع الشعب التونسي ؛ خرج السي أحمد متظاهرا محتجا ومنددا ؛ فاعتقل من جديد ليودع السجن لمدة ثلاث سنوات .
لم تهدأ وطنية الرجل او تتوانى بل ازدادت شرارتها …لم ينكسر ولم يجبن أمام جبروت المستعمر بالاته الجهنمية ، بل انه سيصمد مسلحا بالايمان الراسخ بنبل وقدسية القضية التي من أجلها وجد وفي سبيلها يحيا ؛ قضية تحرير الوطن والانسان …وسيصمد أكثر ويتأجج نضاله وينفجر غضبه عندما لاحظ بأن الهدف الذي من أجله قاوم وجاهد وضحى الوطنيون تأجل بل انه تعرض للتحريف ؛ لقد تم اجهاض المسار واغتيال الحلم وذبح التاريخ …
يواصل السي أحمد النضال مستعدا لدفع الثمن ؛ يتحدى القمع ، يزور كل المعتقلات ، ينزل بكل السجون ، يعرف الجحيم ، يلبس كل البذلات الزرقاء ، يحمل كل الأرقام الباردة ويتحدى صرامة القضبان ، ” يحلم بالورد ، بالخبز وكتب الاطفال ” ، سننتصر وننتصر …لهذا ساهم في تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية انتصارا للوردة …وأسس مدرستين للتعليم الحر : مدرسة النهضة بفكيك ومدرسة الوحدة بوجدة لتتفتح وتنفتح العقول فتختار الطريق …
ان مسار سي أحمد العربي مسار شاق وطويل ، مسار رجل مقاوم ومناضل ، توزعت حياته قبل أن يرحل الى دار الخلود صباح يوم الثلاثاء 14 يناير 2003 عن سن يناهز 96 سنة ، بين سجون المغرب نتيجة الاختيار الصعب الذي انخرط فيه ؛ اختيار النضال المؤسس على جروح الوطن ، والمؤسس على حب الوطن والايمان بالمشروع الاتحادي التحرري الديموقراطي والمؤسس على الالتزام الذي يقتضي التضحيات الجسام التي تصل الى تقديم الوجود _ الفرد فداء للوجود _ الوطن .
لقد صنع السي أحمد مساره النضالي اعتقالا باعتقال …منذ انخراطه في العمل السياسي في صفوف الحركة الوطنية وهو فتى لم يبلغ بعد سن الرشد ، بل ان وعيه الوطني وحلمه بالحرية جعله يعرف الرشد السياسي قبل الرشد القانوني والاداري ….
في مساره حمل ثقل معاناة الحرية المفقودة والكرامة الموؤودة . الرحلة التي بدأت 1948 يوم ثار مع الثائرين في وجدة احتجاجا على اغتصاب فلسطين ؛ وتستمر الرحلة وتستمر معها الاعتقالات ؛ رحلة مليئة بالمعاناة النفسية والمعنوية وعذاب الزنزانة وقسوة الجلاد الذي استضافه مرة _ مرات عديدة بمقر إقامته _ إقاماته الرهيبة ( دار المقري ؛ الكوربيس ؛ أغبالو نكرودوس ؛ عين قادوس …) حيث يمارس على ” ضيوفه ” كافة أشكال العنف المادي والاستخفاف بالقيم الإنسانية ، والهتك البشع لجميع القوانين والمواثيق الوطنية والدولية لحقوق الانسان . انها أيضا رحلة النضال من العدالة والحق والحرية .
ان مسار سي أحمد المدرسي مسار مكتوب بالألم . ولكن الرجل لم ينظر الى ماضيه نظرة المغتر ، ولم يكن يتفرج على هذا الماضي الغني فتتضخم أناه ، لم يكن يقرأ ماضيه قراءة المختال الذي يزهو بأمجاده ، ثم انه قبل هذا وبعده ، لم يستثمر هذا الماضي للمزايدة على المناضلين . ان مساره مسار مجاهد لبى نداء الوطن واستجاب لاهات المعذبين في الأرض ، أرض مغرب تنهب فيه الخيرات وتدمر فيه الإرادات .
رسم سي أحمد المدرسي لنفسه مسارا فريدا وهو يواجه زوار الليل وجفاء الحراس والجدران البليدة لسجون مغربنا الناهض . وهو يواجه الجهل الجاثم على العقول ؛ فلقد اكتسبت مواجهة الاحتلال في بلدة فكيك ، طبيعة تحد جماعي ؛ تمحور حول مشروع تربوي تعليمي من تخطيط وبرعاية السلفي المتنور الفقيد محمد فرج الذي كانت تجمعها بالسي أحمد قرابة الخؤولة ؛ كان أساسه إنشاء مؤسسة تعليمية باسم مدرسة النهضة ؛ مشروع كانت له في العمق أبعاد نهضوية حقيقية ، بدت واضحة في التحول الذي عرفته المدينة وعرفه سكانها والذي جعل من بلدة يجعلها موقعها الجغرافي ضمن المدن الهامشية ، تحتل في معركة الصراع مع الاستعمار وفي معركة بناء دولة الاستقلال موقعا بارزا لم يكن يؤهلها له ، لا موقعها ذاك ولا حجمها الديموغرافي ولا امكانياتها الاقتصادية شبه المنعدمة .
ورغم أن سي أحمد كان يتحرك في مجال نضالي اخر ( وجدة ) فقد كان كجيله من اهالي بلدته مندمجا كل الاندماج في الحركية التي دشنها المشروع ، مسكونة بنفس الحمية التي أثارها ، ولذلك نراه وفي نفس السياق. يلعب دورا بارزا في إنشاء مدرسة الوحدة بوجدة .
وبدون شك فإن وراء اختيار السي أحمد لاسم المدرسي كاسم عائلي له ولأسرته ، نوع من الالتزام بالانتماء إلى المدرسة الجهادية ، كما مثلها المشروع المشار إليه ، وقد كرس حياته لخدمة نفس النهج مسترخصا حياته وماله في سبيله بانخراطه في حركة المقاومة بالفعل الملموس وبالدعم المالي ، وقد كانت زوجته والمرحومة حماته تشاركانه في كثير من الأعضاء المترتبة عن ذلك ، خصوصا وان منزله قد تحول عمليا الى مركز للمقاومة .
انه سي أحمد المدرسي الذي كان يؤمن بدور الكلمة ودور المدرسة في التحرير والبناء ، لهذا كان مدرسة في التربية على قيم ومبادئ الكفاح الوطني والنضال الديموقراطي والتضامن الانساني .
وضع ثروته التي راكمها بفضل عمله وكده رهن إشارة المقاومين والمناضلين . مؤمن بالله واحدا أحدا ، مسلم متنور ؛ حارب الأوهام والأصنام ، حارب التقاليد المكبلة لارادة الانسان ، حارب الفتاوى المعطلة للعقل ، حارب الطقوس المسيئة لديننا الحنيف والبدع القادمة من زمن الجمود والتخلف والانحطاط والتي تكرس التخلف والتأخر ؛ حارب كل ما من شأنه أن يلغي دور الانسان وفعاليته في الوجود ؛ عمل وكافح من أجل تنوير العقول والدفع بالانسان الى العمل والاجتهاد والابداع مستلهما شيخ الاسلام مولاي محمد بن العربي العلوي .
ان رجلا بهذا الحجم من العطاء والبذل لا يمكن إلا أن يحصل عليه الاجماع في المحبة والتقدير والاحترام ، وهذا ما يفسر الحضور المميز ، كما ونوعا ، لمختلف الفئات والأجيال التي حضرت الى دار الفقيد ، يوم السبت 8 مارس 2003 ، تخليدا للذكرى الأربعينية لوفاة المناضل المقاوم المرحوم سي أحمد المدرسي ، وهي الذكرى التي أحيتها جمعية النهضة بتعاون مع أسرة الفقيد . والذكرى كانت مناسبة لاستحضار مسيرة المحن والألم في لحظات رهيبة من تاريخ المغرب . فالرجل هو ذاكرة حية لمغربنا المعاصر ؛ مغرب الحماية والكفاح ضد الاستعمار واللفيف الأجنبي ، ومغرب النضال من أجل الديموقراطية وحقوق الانسان ….
وكانت لحظة مؤثرة جدا عندما أخذ الكلمة اخوه ورفيقه في النضال والكفاح الأستاذ سي عبد الرحمان المتوكل الذي أشاد بعطاء وبذل سي أحمد المدرسي في سبيل الاستقلال ومن أجل مغرب ديموقراطي وعادل . ولقد خلفت هذه الكلمة اثرا كبيرا في الأجيال المختلفة التي حضرت الذكرى تكريما للرجل لأنها لامست جوانب تدل على غنى وثراء شخصية سي أحمد المدرسي . وهذا نص الشهادة ؛ شهادة صدق ووفاء ، شهادة مقاوم في حق مقاوم ، شهادة وطني في حق وطني ، شهادة اتحادي في حق اتحادي ؛ رفيقان في المحنة والعذاب ، منتصران للحق والتاريخ ، يقول سي عبد الرحمان المتوكل ” ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين ان شاء أو يتوب ) صدق الله العظيم .
ان جهاد احمد العربي ، هذا الرجل الشامخ الصامد والمتحدي لعاديات الزمان في سبيل الايمان بالمبدأ هو الذي فرض علينا أن نقف هذه الوقفة ونذكر بكفاحه المرير .سنة 1952 امتدت ايادي الاستعمار الأليمة الى الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد . فعبر المغرب عن التنديد بهذه الجريمة النكراء باضراب عام ومظاهرات شعبيةعمت المغرب ؛ من هنا كان ميلاد فكرة بناء الوحدة المغاربية ؛ حكم على سي أحمد بثلاث سنوات سجنا بسجن أغبالونكودس ، وجمعه السجن بالشهيد المهدي بنبركة فتعلم منه الكثير ، كما تعلم المهدي من سي أحمد مبادئ اللهجة الفكيكية….
ومعلوم أن سي أحمد المدرسي كان لا يخرج من سجن ومعتقل الا ليعود اليه بعد اربعين او ستين ليلة ، مرددا ( ربي السجن أحب إلي مما يدعونني اليه ) .
كان عضوا فعالا في تأسيس خلايا المقاومة وجيش التحرير …وجاء الاستقلال بفضل جهاد المجاهدين فتسابق المخلفون من الاعراب والمؤلفة قلوبهم والمتعاونون مع الاستعمار والخونة …لتوزيع الغنائم على حساب الجماهير المقهورة والمسحوقة …
وبزغت انتفاضة 25 يناير 1959 ؛ ضمت المقاومة وجيش التحرير والنقابيين وجمهور الوطنيين …فضمت بين أحضانها هذه الدار المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي والفقيه البصري والفقيه الفكيكي وعبد الهادي بوطالب وعمر بنجلون ومحمد اليازغي …
ان اعتقالات سي أحمد المدرسي في عهد الاستقلال أكبر بكثير من اعتقالاته في عهد الاستعمار ؛ فقد اتهم كراج هذه الدار بالتوفر على ديناميت وبارود ظلما وعدوانا فقدم سي أحمد الى محكمة عسكرية ، وفي نفس الاسبوع كانت محاولة لاغتيال المهدي بنبركة ببوزنيقة .
تعرفت كل المعتقلات ، السرية والعلنية ، على سي أحمد العربي ( دار المقري ، الكوربيس ، مخافر الشرطة ، القنيطرة ، عين قادوس ، الرباط…والقائمة طويلة )
فما وهن سي أحمد وما استكان لما أصابه في سبيل الله وفي سبيل الوطن …
أصحاب الحال كانوا يعتقدون أنه بمجرد القضاء على سي أحمد العربي سيقضى نهائيا على الاتحاد الاشتراكي ، وللأمانة والتاريخ فالفضل كل الفضل يرجع لسي أحمد العربي الذي وضع رهن إشارة الحزب المقر والمساعدات التي كانت تصل الى ضحايا الاعتقال . ان ايمان وصمود الاتحاديين كان أقوى من مؤامرات المتامرين ( الارهاب لا يرهبنا والقتل لا يفنينا وقافلة التحرير تشق طريقها باصرار )
سي أحمد العربي أسوة حسنة ، وقد وجدت فيه الثورة الجزائرية سندا ماديا ومعنويا ، ولم يبخل بماله على تزويد مستشفى الفرابي بالأجهزة الضرورية مع جمعية المحسنين …”
وكان النموذج ، وكان المثال ، وكان القدوة …والمرأة التي تستحق منا ألف تقدير واكبار هي الحاجة فاطنة المدرسي زوجة سي أحمد المدرسي ، كانت رفيقته في النضال والكفاح ، وواصلت المشوار بعده إذ يشهد لها التاريخ ، وتشهد لها ساكنة وجدة انها بنت بمالها الخاص encg المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بجامعة محمد الأول ( سنة 2007 ) ، وبهذا تكون الحاجة فاطنة ثاني امرأة تقوم بهذه المبادرة العظيمة بعد فاطمة الفهرية التي تبرعت بمالها لبناء جامعة القرويين بفاس التي تعتبر من أعرق الجامعات في العالم .
كما ساهمت الحاجة فاطنة بمالها الخاص في بناء المعلمة الحضارية ؛ مركز الدراسات الإنسانية والبحوث الاجتماعية بوجدة …
رجل عظيم وامرأة عظيمة …حيان في التاريخ بل التاريخ حي بهما …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
× GIL24 sur WhatsApp