الطفلة الحامل بجرسيف، تلك الشجرة التي تخفي الغابة

أحمد صبار:

تطرقت عدد من المنابر الإعلامية إلى ما أصبح يعرف بقضية الطفلة الحامل ذات الثالث عشرة سنة، وهذا دور الصحافة في تسليط الضوء على مثل هاته القضايا التي تنتشر مثل النار في الهشيم، وتعتبر مادة دسمة تحقق مجموعة من الزيارات وتخلق “البوز”، إلا أن السؤال المطروح والذي تعامت عنه وسائل الإعلام المحلية والوطنية والعمومية كذلك، لماذا لم يتم التطرق إلى مجموع العوامل والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي خلقت وتخلق مثل هذه الأحداث وتصنع مثل هؤلاء الذين يصبح الطرف الأول منهم مجرم والطرف الثاني ضحية؟

تعتبر في نظرنا هاته الطفلة مجرد الشجرة التي تخفي الغابة وتحجب الرؤية عن مجموع المعاناة التي تعيش على إيقاعاتها ساكنة الأحياء الهامشية بإقليم جرسيف وحي حمرية مجرد نموذج، إذ لا يختلف عن باقي الأحياء الشعبية الهامشية بجميع تراب وطننا العزيز، فهذا الحي وأحياء أخرى يعتبر مصنعا لجميع أشكال الانحراف، تختلط فيه رائحة الفقر المدقع بروائح أخرى كالدعارة والمخدرات وكل تجليات الحرمان الممنهج الذي يعتبر سمة هذا الحي الذي تإن ساكنته في صمت.

صحيح جدا بشكل لا يختلف فيه اثنان، أن يقوم الإعلام بدوره في تنوير الرأي العام وفرض سلطته من أجل أن يتم معاقبة الجناة، إلا أن لا أحد اعتبر الفاعلين والمتورطين في هذه القضية – الفضيحة، بدورهم ضحايا الظروف الاجتماعية والاقتصادية، فأحدهم ينتمي لدوي الاحتياجات الخاصة يعيش بدوره الاغتصاب اليومي لأبسط حقوقه، والثاني معروف بالإتجار في المخدرات ينتمي لدوي السوابق وجد نفسه، وبدون أن يختار، مروجا لجميع أنواع المخدرات، اغتُصب بدوره في حقه في الشغل والسكن اللائق والعيش الكريم.

لست هنا أدافع عن الفاعلين المتورطين الذين وصفهم الإعلام بالوحوش الآدمية، فالأمر بيدي العدالة التي ستقول كلمتها، لكن يجب الإشارة إلى أن هناك ما يستحق نشره والبحث فيه وتسليط الضوء عن مسبباته، فساكنة حي حمرية تنتظر إعادة الإيواء لعقود بدل أن يعيش أفراد أسر بأكملها في بيوت يندى الجبين لشكلها أو حتى لنعتها ببيوت، فأقل ما يمكن أن يقال عنها أكواخا مع وقف التنفيذ، ونضيف أن شباب هذا الحي المغلوب على أمرهم، هاجر جلهم إلى “الفردوس الأوربي” وبقي آخرون يصارعون ظروف الحياة الصعبة، فلا فرص شغل تقيهم من الارتماء في أحضان التطرف والجريمة والانحراف، وجد العديد منهم أنفسهم في أوضاع لا يرضونها لشخصهم ولم يختاروها، بينما تعيش نساء وشابات حي حمرية اللواتي رفضن اختصار الطريق، مستغلات من طرف أرباب المعامل والضيعات بأجور أقل ما يمكن أن يقال عنها، زهيدة.

الحديث عن مجموع الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها أحياء إقليم جرسيف مجرد تحصيل حاصل، لكن أن يتحدث الإعلام عن الفضيحة والحدث دون الخوض في مسبباتها، هنا يمكننا القول أنه زاغ عن إيصال رسالته وانحرف عن مساره، فإقليم جرسيف الذي أصبح مضرب مثل في الفضائح، خصوصا بعد أن طفت على السطح مجموعة من القضايا اعتُبرت استثنائية على المستوى الوطني، وأخرى ظلت وستظل مستورة إلى حين بسبب الحماية التي يتمتع بها ممتهني الفساد الإداري والمالي، نشير إلى ضرورة توفير فرص شغل لأبناء إقليم جرسيف وحماية العاملين في القطاع الخاص والحرص على تطبيق قانون الشغل والاسراع بتنمية حقيقية بدل خلق مشاريع بميزانيات خيالية لا تسمن ولا تغني من جوع.

وأخيرا، تجدر الإشارة إلى أن ما وقع بحي حمرية لن ينتهي بمجرد عرضه في وسائل الإعلام المحلية والوطنية، وإلقاء القبض على المتورطين في اغتصاب وهتك عرض قاصر نتج عنه حمل، لن يضع حدا لمثل هذه الأفعال المشينة وغير الأخلاقية، فمعالجة الوضع يجب أن تنطلق من معالجة مسببات هذه الظواهر التي كانت غريبة على المجتمع الجرسيفي في الأمس القريب فقط.

1 Comment

  1. صحيح ،هي الشجرة التي تخفي الغابة.
    الفقر والجهل وهي من الاسباب التي لها دور في ماحدث فقر الاب وجهل الام
    كما أن استغلال الشخصين للفتاة الصغيرة لا يجب ان يمر مرور الكرام.

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*