“تأبين عن بعد” للمرحوم عبد الجبار خيري أحد قامات واحة فجيج

عبد الرحيم باريج

إن القلب ليحزن وإنَّ العين لتدمع والقلم يعجز ويرتعش وقد فارقهم كأسرة بكل عناصرها وأطيافها،والله مهما قالوا ما أنصفوك لأنهم تذكروك بعد أن ودعوك لكن عزاءهم الآن أنك لدى خير منصف وهو القائل عز وجل
” كل من عليها فان ” ويلتمسون لك قوله “وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان”.
اعتاد الناس تشييع جثامين أهاليهم وذويهم إلى مثواهم الأخير في المواكب الجنائزية،وتقديم التعازي والمواساة في الظروف الطبيعية،وتنظيم “تأبينهم” في ظل الأجواء والمآتم الموروثة منذ القدم،بحضور الأهل والمعارف والأصدقاء،غير أن جائحة فيروس كورونا المستجد قلبت العادات والمفاهيم والطقوس رأسا على عقب،حيث أضحت مثل هذه المراسم أمرًا صعب التنفيذ،وتشتت شمل الأسر وتوقفت روابط صلة الرحم وعلقت اللقاءات إلى أجل غير مسمى،سيما مع التفشي السريع للفيروس اللعين،وما تلاه من إجراءات احترازية و تدابير وقائية،ودعوات للبقاء في المنازل،وكذا اعتبار المآتم من بين أكبر المسببات للبؤر العائلية.
في هذه الأجواء،وعلى خلفية رحيل الحاج عبد الجبار خيري،بادر عدد كبير من عائلته (أكثر من 50 عائلة بالمغرب وأوروبا وأمريكا) وأصدقائه ومعارفه،أمام القيود الصحية المفروضة على التجمعات،إلى تنظيم “حفل تأبين عن بعد”،عبر تقنيات التواصل ومنصات التواصل الاجتماعي المتاحة.
وتنوعت فقرات التأبين بين تلاوات وقراءات قرآنية بمشاركة الشيخ يونس غربي،وابتهالات،وقصائد شعرية في رثاء المرحوم،إضافة إلى كلمات وشهادات بالمناسبة لأسرته ومعارفه من مقدري أفضاله ومكرماته،أشادت بمناقبه وحسن سيرته وخصاله ودعمه للكثير من أعمال الخير والإحسان المعروف قليلها والمجهول كثيرها،وهو الذي كان ظهرا وسندا لعائلته وعشيرته وأهل واحته.
و أكد أفراد أسرة الفقيد (مصطفى،أحمد،عمر،عبد الكريم،بشير،حورية،نزهة،زكية،فاطمة الزهراء)،أنهم شعروا بجميل العزاء عبر ما تم تدوينه في “حفل التأبين عن بعد”،مشددين على أهمية التزام الجميع بالإجراءات الاحترازية والوقائية في هذه الظروف الصعبة..وذلك قبل اختتام “الحفل” الظاهرة المتميزة التي عبرت عن عمق الالتزام والتقدير لمكانة المغفور له،حيث التقت في تأبين الفيجيجي الانسان،واحتشدت في الحضور المشاعر لتخليد سيرته والإرادة للسير على طريقه.وتم الدعاء لروح الفقيد بالرحمة والمغفرة وفسيح الجنان،ولأسرته الصغيرة والكبيرة بجميل الصبر والسلوان،وعميم التوفيق والنصر والسداد،أن يلحقها به إخوانا على سرر متقابلين.
يعتبر المرحوم الحاج عبد الجبار خيري،المنتمي لعائلة فيجيجية عريقة بقصر آت وادّاي الحمام التحتاني بفجيج،من أوائل الذين أسسوا المطاحن بالمغرب،الذي رحل تاركا اثرا عميقا في نفوس عائلته ومحبيه إثر مضاعفات صحية.وكان شخصية مرموقة ذات أبعاد وطنية،بصم بأياديه البيضاء وبجلائل أعماله ومكرماته فترة الكفاح الوطني من أجل الحرية والوحدة الترابية.
كانت واحة فجيج حاضرة معه على الدوام ورحيله خسارة كبيرة لكل أهلها وسيظل حاضرا في ذاكرتها ووعيها ووجدانها ووجدان كل أهل الشرق والغرب ممن عاشروه أو عرفوه.ووجد جميع من شارك في تأبينه أنفسهم في موقف صعب ليتحدثوا عنه في ذلك المقام،وقد تحدث قبلهم من تحدث فأحسنوا الحديث ولم يتركوا شيئاً لقوله.لكن الأمر عندما يتعلق برجل كالمرحوم عبد الجبار،فإنه لو تحدث جميع من شارك تأبينه ما أعطوه حقه..
كان رحمه الله قد عاش حياة جادة خالية من العبث،كان يدرك أن الحياة هي مرحلة عابرة تقاس بعمر الإنسان ليس إلاَّ طال أم قصر،ولم يكن في غفلة عن ذلك فسخَّر كل وقته وجهده للعمل ولخدمة عائلته وقبيلته وكل من قصد باب داره العامرة به وبذريته من بعده..
كان دائماً مبعث فخر للواحة وأهلها وإن ذلك حق اليقين،ومرت به اللحظات العصيبة لكنه كان رجل المهمات والملمات لين المعشر طيب القلب نقي السريرة نبيل المشاعر،صارم جاد في اتخاد القرارات.نظرته ثاقبة يحاور ولا يعاند يكتم غضبه،وستذكر له دائما الواحة كما عائلته ومعارفه طيب الأثر والذكر وفضيلة الشكر…
تحمل المسؤولية برأي صائب فلا انحاز لطرف ولا عن الحق انصرف،هو مثل أعلى في الحكمة وما زاغ عن الحق ولا انحرف.مناقبه لا يمكن حصرها في حفل تأبين وهي ليست خاضعة للتقييم فهي ناصعة باقية عند العارفين بيضاء ساطعة للناظرين،أفضاله لا تقدر بثمن وسيرته البهية النقية العطرة لا يمكن اختزالها في كلمات وسطور.وما وصلت إلى ما وصلت إليه عائلته الصغيرة والكبيرة إلا بدعمه.رافقهم داعما ومشجعا،وشد أزرهم،يقوي عزائمهم،يرافقهم رغم المشاغل والمتاعب،متواضعاً بعيداً عن البروتوكولات ما تراه حانقاً ولا غاضباً إلاَّ في حق،بعيداً كل البعد عن البهرجة والشهرة والتطلعات الزائفة.
وكم هو أليم وكم هو قاس التحدث عن أخ بصيغة الماضي وليس كل من يموت نودعه وننساه.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*