فلتحيا فرنسا محررة الأمم !!!!

د.فؤاد بوعلي
مصيبة فرنسا مع العالم العربي في وكلائها. فمنذ أن اختار المستعمر القديم تأبيد وجوده في مستعمراته السابقة عبر نخبة وظيفية مضادة للمشترك الجمعي الوطني في سبيل فرض النموذج الفرنكفوني بمنظومته القيمية والثقافية والسياسية، دأبت هذه الأخيرة على القيام بمهمة مزدوجة: من جهة أولى تقديم فرنسا باعتبارها نموذجا لقيم الحداثة والتحرر والانفتاح من خلال الدفاع عن منجزاتها وسياساتها حتى وإن كانت مناقضة لمصالح الوطن والأمة، ومن جهة أخرى تقديم الذات الوطنية بشكل غرائبي وفلكلوري والإصرار على تحويل الذات إلى “صندوق عجائب” ومآسي وتقديم صور عن وطنها وكأنه خارج التاريخ وفق منطق السوق وطلب المتلقي الغربي. هكذا اشتغل فؤاد العروي ومالك شبل والطايع والطاهر بنجلون…وهكذا تشتغل النخبة الإعلامية المنافحة عن النموذج الفرنكفوني الذي يسكن الذات الوطنية. فعلى شاكلة “جاك دريدا” الذي اختار الارتماء في جنة اللغة الفرنسية رافضا التعددية الهوياتية، نجد النخبة المتسيدة للقرار تجتهد في الحفاظ على دورها الوسائطي من خلال تقارير وكتابات يوظفها الآخر في بناء سياساته واستراتيجياته. فرواية ادريس الشرايبي “الماضي البسيط ” التي تقدم لنا باعتبارها إبداعا فريدا في عالم الرواية كانت وثيقة سياسية وظفها اليمين الفرنسي لمعارضة استقلال المغرب والمطالبة بتمديد فترة الحماية للمغرب بحجة أن(فرنسا) لم تتم رسالتها الحضارية بعد في المنطقة. ولن يختلف حكيم القروي، الآتي من ميدان المصارف والشركات، الذي عينه ماكرون مستشارا له في شؤون المسلمين، في مشاريعه التي وضع أسسها وتبناها الإليزيه. افتتحها بخطة لمراقبة الأموال التي تستفيد منها الجمعيات الإسلامية في فرنسا وصولا إلى حصار الإسلام داخل الدائرة الشخصية عبر ما أسماه ب الرؤية الجديدة للإسلام فى فرنسا والتي تبناها الرئيس الحالي في تجييشه للفرنسيين ضد المسلمين. وعلى هذا المنوال تسير النخبة الفرنكفونية في الدول المغاربية تسويقا للحلم الفرنسي وتنكرا لمنظومتها القيمية والهوياتية.
عندما رفع مصطفى كامل شعار: “فلتحيا فرنسا محررة الأمم” في سياق الدهشة التي أصابت العقل العربي حين اللقاء بالآخر فيما سمي بالنهضة العربية كان يتصور أن تمنح تجربة الأنوار دفعة حقيقية للتجربة الناشئة. لكن الذي حدث هو تحول النموذج المتصور إلى ماكينة لصناعة النخب المنافحة عن الآخر. لذا قد تصلح عبارة كامل لتفسير الاعتقاد الذي يسود النخبة المتصدرة للمشهد السياسي والديني والثقافي في المغرب. وقد شكلت المقاطعة الاقتصادية للمنتوجات الفرنسية الذي رفعته العديد من الفئات الشعبية والهيئات الوطنية اختبارا حقيقيا لصدقية الشعارات المرفوعة. ففي الوقت الذي انتشرت بين عامة المواطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة دعاوى المقاطعة ردا على الإساءة المتعمدة والمتكررة من طرف المسؤولين الفرنسيين للإسلام، جندت النخبة الفرنكفونية آلاتها الدعائية المختلفة من أجل الوقوف ضد هذا السلاح الوطني الفعال تارة من خلال التشكيك في جدوى المقاطعة، وتارة من خلال إبراز مخاطرها على الاقتصاد الوطني، بل وصل الأمر أحيانا عند بعض الإعلاميين إلى اتهام المقاطعين بالخيانة واللاوطنية ناهيك عن الشعبوية والسذاجة. والأدهى هو انضمام العديد من العلماء والمثقفين والكتاب وبعض السياسيين، وهم الذين صمتوا حين كانت المقاطعة موجهة للمقاولات المغربية أو لدولة غربية أخرى، وهم الذين يملأون الفضاء الثقافي والعلمي حديثا عن الهوية والوطن والفرنكفونية إلى هذا المسار المناقض لمسار الهوية الوطنية. فهل غدت فرنسا قضية سيادية. لذا لا ينبغي أن نفاجأ حين يعرض مسؤول عن لجنة النموذج التنموي تقريره إلى السفير الفرنسي قبل الحكومة المغربية، ولا ينبغي أن تفاجئنا تدخلات وزارة التعليم الفرنسية في الشأن التربوي المغربي، وربما قد نجد أنفسنا غدا نستلهم من القروي ورشيد بن الزين وفؤاد العروي نموذج تديننا المستقبلي. فلتحيا فرنسا محررة الأمم !!!!

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*