ايام انارت درب هذا اليوم!

قاسم هادي – العراق

ما سوف اكتبه ليس تبجيلًا لمنصور حكمت، مع انه يستحق كل التبجيل وذلك لدوره التاريخي. لكن حين اعدت قراءة ما كتبت،ادركت اني كتبت ما اراه انا في الشيوعية، الشيوعية التي انشدها،وهو ما دعاني لان اجد منصور حكمت قائداً شيوعياً عظيماً للطبقة العاملة ولسائر الجماهير المحرومة، يستحق ان يبقى حياً فينا، في منهجنا، في نظرتنا، وجهودنا ونضالنا في مواصلة دربه. لفترة طويلة، من بداية حياتي، كنت اتخبط هنا وهناك، ولا اجد مايغني في العدالة الاجتماعية التي كنت ابحث عنها واتطلع اليها، إذ مرّت “الشيوعية” التي كانت حولي مرور الكرام، لاني لم اجد فيها ذلك التطلع والرقي الانساني العالي، شيوعية مساومة للتخلف والرجعية. ان من غير المنصف على الاطلاق ان يزيح احدهم خيار الشيوعية من ضمن خياراته في البحث عن العدالة الاجتماعية. لكن تلك الصورة توضحت لي اكثر عند حصولي على بحث منصور حكمت، “اختلافاتنا”، حيث ادركت حينها ان الشيوعية التي كنت اراها حولي لا تتعدى كونها تيار وطني، اصلاحي، يساري او اي اسم اخر او اي قطب اخر من الاشتراكية او حتى باحسن الاحوال قطب شيوعي اخر، لكنه غير عمالي دون شك. 

تضمن بحث منصور حكمت المقدم للمؤتمر الثالث حول مستقبل الحركة العمالية عبارة “الشيوعية العمالية هي بمثابة المجرى الوحيد الذي يمتلك افاق التقدم والتطور في وقت تراجع الاشتراكية البرجوازية”، وكانت هذه العبارة في اواخر ثمانينات القرن المنصرم، لكننا الان ندرك ونرى معناها بشكل ادق وعملي وواقعي اكثر من اي وقت مضى. فالحركة العمالية، يوما بعد يوم، منذ سقوط النموذج الاشتراكي البرجوازي في روسيا والى الان، اتخذت منحى بعيدًا عن النمط الروسي وعن كل التجارب المقلدة والتابعة للتجربةوحتى التي لديها هذا النقد “الجزئي” او “الهامشي” او ذاك. تعاظمت قناعة الحركة العمالية في العقدين الاخيرين بفشل النظام الرأسمالي وعجزه عن الاستمرار في الغرب بشكل يؤمن الحد الادنى من حاجات الانسان الاساسية. قد لاتكون تلك الحركة الاحتجاجية عالمية وفي اطار موحد عالمي، او تسير خلف راية الشيوعية العمالية، بيد انها تصرخ  بشكل عام بوجوب ازاحة النظام الراسمالي وترنوا بعينيها لافضل وادق نقد وجه لهذا النظام، نقد ماركس وبيانه الشيوعي. لكن الملفت انها لم تطالب الاحزاب “الشيوعية” التقليدية لتتصدر مقدمة الصفوف لان الطبقة العاملة، او على الاقل جزئها الواعي، ادرك ان الفشل شمل النظام الرأسمالي بشقيه (السوق وراسمالية الدولة)، الاشتراكية البرجوازية التي داست باسم الاشتراكية على الخصوصية الطبقية للشيوعية التي تبغيها الحركة بوقوفها بوجه الهجمة البربرية على مكتسبات الطبقة العاملة خلال العقود الثلاثة الماضية.

النقطة الاخرى التي نبهني اليها البحث هي تحول الاستخدام الاجتماعي لنظريات ماركس وتحولها الى علم الفلسفة او حتى السفسطة او جدالات المثقفين في اغلب الاحيان، بينما الشيوعية العمالية منهج للتغيير. في الوقت الذي نادت الكثير من التيارات بعدم قدرة الحركة العمالية على الاصلاح ووجوب رميه جانباً، فيما كانت تيارات اخرى تحسب نفسها على الشيوعية ايضا بتحويل الشيوعية الى نظرية اولا وثانيا الى نظرية تعمل داخل الحركة الاصلاحية وغير قادرة على مغادرتها، فيما كان التشبيه الجميل الذي ذكره منصور حكمت هو ان على الحركة العمالية الرامية الى التغيير بقيادة الشيوعية العمالية ان تتخذ الثورة والاصلاح مثل قوارب التجديف. فلو تجدف باليمين، ستبقى تدور حول نفسك، ولو جدفت باليسار سيكون الامر ذاته. ان الطريقة المثلى، والواقعية بالنسبة للعامل وتتطابق مع حياته ومعيشته، وهي اول درس بالتجديف، هو ان تجدف يمين يتبعه يسار. ان الطبقة العاملة بامس الحاجة لمجداف الاصلاح ومجداف الثورة. 

المسألة الثالثة هي سؤال يطرحه مثقفو العالم العربي عموما عن وجود او ذوبان الطبقة العاملة او ثقلها الاقتصادي والسياسي. وقد يكون مصدر السؤال هو وضع امريكا واوربا، ولاينظر مثقفونا الى ان تقلص حجم الطبقة العاملة الاوربية كان على خلفية هروب ملايينالمعامل والشركات الى اسيا وامريكا الجنوبية والتي يعمل فيها مئات الملايين من العمال في ظروف عمل مشابهة او اقسى من معامل المانيا وبريطانيا في القرن التاسع عشر. الاهم من هذا هو ان الشيوعية العمالية هي وسيلة الطبقة الوحيدة تحررها النهائي وتحرر المجتمع باسره. ان كان العمال اغلبية او اقلية فلن يغير ذلك من قيمة العامل ومكانته في الانتاج الرأسمالي. واننا كشيوعيين نعرّف انفسنا كجزء من تلك الطبقة العالمية سواء أكانت اغلبية في المجتمع ام اقلية، حيث انها تظل الطبقة التي تعمل بأجر، الطبقة المنتجة المستعبدة. كم كان تاكيد منصور حكمت جميلاً في اختلافاتنا حيث تحدث عن “ومن اين الحق يرتبط باقلية او اكثرية. هل نحن على استعداد لقبول ظلم المراة او اضطهاد السود لكونهم اقلية؟! اذن لماذا نقبل باضطهاد العامل لكونه اقلية حسب ادعاء سادتنا؟!””تعلمت منه في النهاية ان الصراع طبقي وسيبقى صراعا تبحث فيه الطبقة العاملة عن سبيل لتحطيم الرأسمالية وإلغاء العمل المأجور ومحو الاستغلال والطبقات.

احتوى بحث “اختلافاتنا” على الكثير مما سلط الضوء على ما انزلقت اليه تعريفات الماركسية او ركزت على جوانب ثانوية من نفس الماركسية التي تحتوي بالتأكيد على جزء نظري وجزء تحليلي، لكنها اغفلت الجزء الاهم فيها وهو قيادة نضال الطبقة العاملة والدفع بهوتطوره ومن ثم اعتبار ان الظفر بالسلطة هو استراتيجية سياسيةوهدف نهائي، بفقدانه يتجذر استغلال العامل وبقاء عبودية العمل الماجور والراسمالية. لم تكن “اختلافاتنا” “البحث الاهم”، اذ لا تقل بحوثه الاخرى اهمية عنه، لكنه البحث الذي عرفني على منصور حكمت القائد الذي جعل من المهم حين تبرز الرأسمالية مجرميها كأبطال وعباقرة، وحين يفرض المجتمع عليك ان تبرز قادتك، ان تفصل صفوفك وان نلتف حول راية معينة، سيكون الخيار هو راية الشيوعية العمالية وليست بقية الاشتراكيات الزائلة، وان علينا ان نرسم خط فاصل يجعل الجماهير العمالية والكادحة والمحرومة على يقين بان عليها اتباع نهج معين مفصول عن سائر الحركات الرجعية الدينية او السياسية الاخرى، ان تلتف حول رايتك وتقود طبقتك كحزب سياسي نحو الحرية، المساواة، والحكومة العمالية.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*