العدالة والتنمية تقدم مقترحاتها لانتخابات 2026: دعوة لاستعادة المصداقية ومحاربة العزوف

في خطوة استباقية ومفصلية، قدم حزب العدالة والتنمية مذكرة تفصيلية إلى وزارة الداخلية بتاريخ 26 غشت 2025، تتضمن مقترحاته وتحليلاته للواقع الانتخابي والسياسي في المغرب. جاء ذلك بهدف توفير شروط انتخابات حرة ونزيهة وشفافة في استحقاقات مجلس النواب لسنة 2026، وهي المذكرة التي حملت شعار “توفير شروط الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة واجب دستوري ومصلحة وطنية لمحاربة العزوف الانتخابي واستعادة مصداقية الاختيار الديمقراطي”. وتهدف المذكرة، حسب الحزب، إلى إفراز مؤسسات منتخبة حقيقية تحظى بالشرعية والمصداقية والثقة.

سياق المذكرة: تراجع المد الديمقراطي واختلالات 2021

تأتي هذه المذكرة في ظل ما وصفه الحزب “بتراجع المد الديمقراطي الذي عرفه المغرب بعد سنة 2011”، والذي خلق انفراجًا سياسيًا وحقوقيًا وأملاً واسعًا لدى المواطنين. هذا المد، وفقًا للحزب، تعرض “لضربة قوية سنة 2016 بالبلوكاج السياسي وتعمق الشرخ في انتخابات 2021”. وقد رصد الحزب في انتخابات 2021 “اختلالات وتجاوزات وصفها بالخطيرة”، يرى أنها استهدفت بالدرجة الأولى حزبه.

من أبرز هذه الاختلالات:

اعتماد القاسم الانتخابي غير المنطقي الذي يحسب جميع المسجلين بمن فيهم المتوفون والمكررون بدلاً من الأصوات الصحيحة.

إلغاء عتبة المشاركة مما أدى إلى تشتيت المشهد السياسي.

الاستعمال المكثف للمال ودفع الكائنات الانتخابية الفاسدة والانتهازية إلى الواجهة.

التحيز السلبي للجهاز الإداري المسؤول عن تنظيم الانتخابات ودعمه لبعض المرشحين.

توجيه الناخبين والضغط على المرشحين واستغلال قاعدة بيانات الدعم الاجتماعي.

التضييق على المراقبين، بما في ذلك طردهم قبل فرز الأصوات والامتناع عن تسليم المحاضر وتأخر إعلان النتائج.

هذه الملاحظات، حسب الحزب، أسفرت عن نخبة سياسية غير مسبوقة في تاريخ المغرب شهدت “سلسلة من المتابعات والمحاكمات المتتالية وطلبات العزل”، مما أدى إلى إضعاف الثقة في المؤسسات الانتخابية ودفع المواطنين، وخاصة الشباب، إلى التساؤل عن جدوى العمل السياسي.

انتخابات 2026: فرصة لإعادة بريق الديمقراطية

يرى حزب العدالة والتنمية أن انتخابات 2026 تمثل “محطة مفصلية لاعادة بريق الاختيار الديمقراطي الذي لا رجعة فيه بالمغرب”. ويؤكد أن السياق الحالي يتسم بتحديات كبرى داخلية وخارجية تستدعي مؤسسات منتخبة قوية وفعالة قادرة على التفاعل مع انتظارات المواطنين والتحديات التنموية الكبيرة.

مرجعيات المقترحات وأسس الإصلاح

تستند مقترحات الحزب إلى ثلاث مرجعيات أساسية:

1. دستور 2011: الذي يكرس الاختيار الديمقراطي كخيار لا رجعة فيه، ويضمن حقوق التصويت والترشيح وتكافؤ الفرص، ويؤكد على دور الأحزاب ويلزم السلطات العمومية بالحياد.

2. التوجيهات الملكية السامية: في خطابات العرش ورسائله للمؤسسات التي تدعو إلى الإعداد الجيد للانتخابات وإفراز مؤسسات قوية تتمتع بالشرعية والمصداقية.

3. الأطروحات السياسية للحزب: التي صادق عليها مؤتمره الوطني التاسع وتدعو إلى إصلاح شامل للمنظومة الانتخابية.

أبرز المقترحات: من الجو السياسي إلى التفاصيل التقنية

قسم الحزب مقترحاته إلى عدة مستويات: السياسي، والتنظيمي، والقانوني، والتقني.

على المستوى السياسي:

استكمال الانفراج الحقوقي والسياسي لخلق أجواء إيجابية تدعو المواطنين للانخراط في العملية الانتخابية.

اعتماد ميثاق شرف بين الأحزاب السياسية لتقديم مرشحين أكفاء ونزهاء وبرامج انتخابية واقعية.

ميثاق آخر بين الأحزاب ووزارة الداخلية لضمان نزاهة العملية الانتخابية.

تفعيل دور الإعلام الوطني في إطلاق ندوات ونقاشات سياسية مبكرة حول الإصلاحات والبرامج.

بخصوص الإشراف على العملية الانتخابية:

• أكد الحزب على المسؤولية المحورية لوزارة الداخلية ودعا الوزراء إلى التصدي الحازم لكل الممارسات والتجاوزات التي تمس بمصداقية العملية.

• وجه الأمين العام للحزب، السيد عبد الإله بنكيران، خطابًا مباشرًا لوزارة الداخلية، مؤكدًا أن “نجاح المغرب أو فشاله في هذه الانتخابات يقع عليها”، وأن المشكل ليس قانونيًا بقدر ما هو مشكل ثقة وشفافية.

تعزيز دور السلطة القضائية: اقترح الحزب خمسة تدابير لتعزيز الأدوار الرقابية والزجرية للقضاء، منها:

• تمكين القضاة المكلفين باللوائح الانتخابية من كل المعطيات والوسائل للتأكد من صحتها.

• توزيع صلاحيات القضاء الاستعجالي للطعن في القرارات الإدارية المرتبطة بالانتخابات.

• تعيين مكلفين بالنيابة العامة في كل دائرة انتخابية لتلقي الشكايات وتفعيل خط مباشر للتبليغ.

• تمكين السلطة القضائية من الموارد البشرية والمادية اللازمة.

• منح اختصاص معاينة المخالفات لموظفي كتاب الضبط والمفوضين القضائيين دون الحاجة لإذن قضائي.

مقترحات تقنية وقانونية (على لسان السيد عبد الله بوانو):

اللوائح الانتخابية: الدعوة إلى اعتماد لوائح انتخابية جديدة بناءً على التسجيل التلقائي للمواطنين باستخدام البطاقة الوطنية والسجل العدلي، وفتح آجال كافية للانتقال، وتجنب تشتيت الأسر في مكاتب التصويت، وتمكين الأحزاب من المستخرجات في وقت كافٍ (حد أقصى 30 ماي 2026)، ونشر هذه اللوائح وفتح باب الطعن إلكترونيًا.

نمط الاقتراع: طالب الحزب بالعودة إلى نمط الاقتراع باللائحة مع عتبة للمشاركة، ورفض القاسم الانتخابي غير الديمقراطي الذي اعتمد سنة 2021.

التقطيع الانتخابي: اقتراح مراجعة شاملة للتقطيع الحالي لضمان قيمة تمثيلية متساوية لكل صوت، مع مراعاة التوازن الديموغرافي والتوزيع الجغرافي.

شروط الترشيح: دعا إلى تجويد شروط الترشيح لرفع من جودة النخب، وتصفية اللوائح من المقيدين الذين تنعدم فيهم الأهلية، وتفعيل تسجيل الأحكام القضائية بشكل فوري في السجل العدلي.

تمثيلية النساء والشباب: اقترح اعتماد لائحة وطنية للنساء تراعي فيها التمثيلية الجهوية، ولائحة وطنية للشباب، مع دراسة مقترحات دعم مالي إيجابي.

المغاربة المقيمون بالخارج: طالب بتفعيل حق التصويت المباشر في بلدان الإقامة، وإحداث جزء ثالث ضمن اللائحة الوطنية مخصص لترشيح مغاربة العالم.

الحملات الانتخابية والمال العام: شدد على اليقظة بخصوص تمويل الحملات الانتخابية، وتحريم استخدام معطيات الدعم الاجتماعي، وتفعيل الرقابة الصارمة لمنع استغلال إمكانيات الدولة والجماعات، وتجريم حصول الناخبين على هدايا أو أموال، وتوسيع لائحة الفضاءات العمومية للحملات وتنظيم الحملات الرقمية.

شفافية التمويل: اقترح عدم إرجاع المبلغ المسبق للأحزاب إلا إذا كان مبررًا، وإخضاع المصاريف لضريبة القيمة المضافة لاسترجاعها، وتحمل وزارة الداخلية لبعض مصاريف مكاتب التصويت، ورفع المبلغ الأقصى لنفقات الحملة.

النتائج: طالب بالإعلان الفوري والسريع والشفاف لنتائج الانتخابات ونشرها مفصلة عبر وسائل الإعلام والموقع الإلكتروني الخاص بالانتخابات.

مكاتب التصويت: دعا إلى خفض عدد مكاتب التصويت (التي تصل حاليًا إلى 43 ألفًا)، وتحديد مسطرة واضحة وشفافة لتعيين رؤساء وأعضاء المكاتب مع استبعاد موظفي الجماعات الترابية والداخلية، وتحديد مسطرة دقيقة لكتابة وتنسيق المحاضر وتسليمها لممثلي الأحزاب، وتجريم طرد المراقبين، وتمديد فترة التصويت.

نداء بنكيران: “الانتخابات مصير أمة وواجب وطن”

في ختام الندوة الصحفية، ألقى الأمين العام للحزب، السيد عبد الإله بنكيران، كلمة ذات بعد عاطفي ووطني قوي، مشددًا على أن “الانتخابات ليست لعبًا، بل هي مصير بلادنا ومواطنينا”. وأكد على دور الملكية كحامية للدولة واستمراريتها. ووجه بنكيران نداءً إلى وزارة الداخلية، قائلًا: “كل شيء في يدك. كاين شي حاجة كبيرة خطيرة تهددنا وهي العزوف. كيفاش يمكن لك يا وزارة الداخلية تخلقي الجو من دابا”.

كما رفض بنكيران بشدة المقترحات التي تطالب بشهادات تعليمية محددة للترشح، مؤكدًا أن الدستور يكفل لكل مواطن الحق في الترشح وأن الكفاءة والأخلاق لا تقتصران على المؤهلات الأكاديمية. ودعا الأحزاب السياسية إلى تجاوز الاعتماد على الأعيان والبحث عن مناضلين حقيقيين من الشباب، وحث المواطنين على تحمل مسؤولياتهم في اختيار المرشحين بالضمير والابتعاد عن بيع الأصوات.

في الختام، يؤكد حزب العدالة والتنمية على التزامه بالمبادئ الدستورية ودوره كحزب سياسي مسؤول يثق في الدولة، لكنه يدعو إلى تضافر جهود الدولة والأحزاب والمواطنين لإعادة البريق للاختيار الديمقراطي في المغرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!