تسريبات “جبروت” واتهامات التهرب الضريبي: قضية الوزير عبد اللطيف وهبي كمرآة لتحديات الشفافية في المغرب

تطفو على السطح من حين لآخر قضايا تكشف عن هشاشة منظومة الشفافية والمحاسبة في المغرب، وتثير تساؤلات حول نزاهة بعض المسؤولين ومدى فعالية القوانين التي تحكم تصرفاتهم. تسريبات قناة “جبروت” على تطبيق تيليغرام، التي استهدفت وزير العدل عبد اللطيف وهبي في يونيو ويوليوز 2025، تمثل إحدى هذه القضايا.
استناداً إلى المعطيات التي قدمها الزميل محمد مسكين في مقاله المنشور بجريدة “صوت المغرب”، يسلط هذا المقال الضوء على تفاصيل هذه القضية، ويحلل تداعياتها القانونية والسياسية، مع التركيز على ما تكشفه من تحديات في نظام التصريح بالممتلكات والرقابة على الثروات في المغرب.
خلفية القضية: تسريبات “جبروت” واتهامات التهرب الضريبي
في إطار هجوم سيبراني نفذته مجموعة “جبروت”، التي يُزعم أنها تابعة لقراصنة جزائريين، تم تسريب بيانات حساسة من مؤسسات مغربية مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) ووزارة التشغيل، شملت معلومات عن ملايين الموظفين والشركات. في يونيو 2025، استهدفت التسريبات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، مكشفة عن تفاصيل عملية مالية مثيرة للجدل.
وفقاً لمقال محمد مسكين، حصل وهبي في ديسمبر 2020 على قرض عقاري بقيمة 11 مليون درهم (1.1 مليار سنتيم) من أحد البنوك لشراء عقار فاخر في الرباط. وبعد أقل من أربع سنوات، بحلول يوليو 2024، تم سداد القرض بالكامل، ونُقلت ملكية العقار إلى زوجته عبر عقد هبة، مع التصريح بقيمة العقار بـ1 مليون درهم فقط، أي أقل بكثير من قيمته الأصلية.
هذه العملية أثارت شبهات حول التهرب الضريبي، حيث قلل التصريح بقيمة أقل من رسوم التسجيل والتحفيظ (1.5% لكل منهما)، التي كان يفترض أن تصل إلى حوالي 33 مليون سنتيم، لكن الوزير وزوجته دفعا حوالي 3 ملايين سنتيم فقط بناءً على القيمة المصرح بها.
كما أثارت التسريبات تساؤلات حول مصادر الأموال التي سمحت بسداد قرض بهذا الحجم في فترة قصيرة، خاصة أن راتب الوزير (حوالي 70,000 درهم شهرياً) لا يبدو كافياً لتغطية هذا المبلغ.
الإطار القانوني: التصريح بالممتلكات وثغراته
وفقاً للقانون المغربي رقم 54.06، يُلزم الوزراء وكبار المسؤولين بالتصريح بممتلكاتهم لدى المجلس الأعلى للحسابات عند توليهم المنصب، وكل ثلاث سنوات، وعند انتهاء مهامهم. الهدف هو مراقبة التغيرات في ثرواتهم للحد من الإثراء غير المشروع. لكن النظام يعاني من عدة ثغرات:
- عدم الزامية ذكر القيمة المالية للعقارات: القانون يطالب بتسجيل وجود العقارات، لكنه لا يشترط دائماً التصريح بقيمتها المالية بدقة، مما يتيح مرونة قد تُستغل لإخفاء التغيرات في الثروة.
- استثناء ممتلكات الأقارب: التصريح لا يشمل ممتلكات الزوج/الزوجة أو الأبناء البالغين إلا في حالات استثنائية، مما يسمح بنقل الأصول إلى أقارب لتفادي المراقبة.
- ضعف الرقابة: المجلس الأعلى للحسابات يواجه تحديات في تدقيق التصريحات بسبب العدد الكبير وسرية البيانات، التي تحد من قدرة المجتمع المدني على المراقبة.
- غياب قانون الإثراء غير المشروع: سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع من البرلمان في 2025، والذي كان من المفترض أن يعزز المحاسبة، يعكس تراجعاً في مكافحة الفساد.
في قضية وهبي، من المرجح أن يكون قد صرح بالعقار في تصريحه الأولي عند توليه منصب وزير العدل في أكتوبر 2021، لكنه لم يكن ملزماً بذكر قيمته (11 مليون درهم). بعد نقل العقار إلى زوجته، قد لا يظهر في تصريحه النهائي، مما يصعب تتبع التغيرات في ثروته، خاصة فيما يتعلق بمصادر سداد القرض.
التداعيات القانونية
- مخالفة قانون الحقوق العينية: التصريح بقيمة 1 مليون درهم في عقد الهبة، رغم أن قيمة العقار الأصلية 11 مليون درهم، يمثل مخالفة محتملة للقانون المتعلق بالحقوق العينية. هذا التصريح قلل من رسوم التسجيل والتحفيظ، مما قد يُعتبر تهرباً ضريبياً إذا ثبتت نية التحايل. وفقاً للمقال، كان يجب دفع حوالي 33 مليون سنتيم كرسوم، لكن المدفوع فعلياً لم يتجاوز 3 ملايين سنتيم.
- التساؤلات حول سداد القرض: سداد قرض بقيمة 11 مليون درهم في أقل من أربع سنوات يثير شبهات حول مصادر الأموال. وهبي أوضح أن السداد تم عبر بيع ممتلكات أخرى (فيلا وأراضٍ) وإرث زوجته، لكن هذه التفسيرات تحتاج إلى تدقيق قضائي أو من المجلس الأعلى للحسابات، وهو أمر غير مضمون بسبب ضعف الرقابة.
- مسؤولية الموثقة: المقال يشير إلى “سؤال كبير وعريض” حول دور الموثقة التي أشرفت على عقد الهبة. الموثقون ملزمون قانوناً بالتحقق من صحة القيم المصرح بها، وأي تواطؤ محتمل قد يعرضهم للمساءلة.
- ضعف آليات المحاسبة: حتى لو أبدى وهبي استعداده لمراجعة ضريبية، كما ذكر في المقال، فإن هذا الاستعداد يعكس فلسفة “ندفع إذا كُشف أمرنا”، مما يضعف المنظومة الجبائية ويشجع على التحايل.
التداعيات السياسية
- تآكل الثقة في الحكومة: القضية تضيف إلى سلسلة فضائح مالية تورطت فيها شخصيات سياسية، مثل قضية “خدام الدولة” التي كشفت تخصيص أراضٍ بأسعار رمزية لمسؤولين. هذا يعزز انطباع المواطنين بأن السلطة تتيح امتيازات للنخبة، مما يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات.
- تفاقم التوترات الإقليمية: التسريبات، التي يُزعم أنها من تنفيذ قراصنة جزائريين، تأتي في سياق التوترات المغربية-الجزائرية، خاصة حول قضية الصحراء الغربية. الحكومة المغربية وصفت التسريبات بأنها “عمل إجرامي” يهدف إلى التشويش على نجاحاتها الدبلوماسية، مما قد يزيد من حدة الصراع السيبراني والإعلامي بين البلدين.
- ضعف الأمن السيبراني: كشفت التسريبات عن ثغرات خطيرة في أمن المؤسسات المغربية، مما يضع الحكومة تحت ضغط لتعزيز الحماية السيبرانية. هذا قد يؤثر على صورتها كدولة قادرة على حماية بيانات مواطنيها.
- تأثير على حزب الأصالة والمعاصرة: وهبي، كأمين عام سابق لحزب الأصالة والمعاصرة، وحاليا هو وزير للعدل بصفته الحزبية، يواجه ضغوطاً سياسية داخلية وخارجية. هذه القضية قد تضعف موقفه حزبه، خاصة إذا استغلتها أحزاب المعارضة للهجوم على الحكومة.
- إحياء النقاش حول الإثراء غير المشروع: سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع، الذي كان من المفترض أن يعزز المحاسبة، أثار انتقادات واسعة. هذه القضية قد تجدد الضغط الشعبي والمدني لإعادة إحياء القانون، لكنها تكشف أيضاً عن مقاومة داخل النخبة الحاكمة لتعزيز الشفافية.
تحليل: مرآة النظام السياسي
كما أشار محمد مسكين في مقاله، هذه القضية ليست مجرد فضيحة فردية، بل تعكس نمطاً متكرراً يجعل من الاغتناء في السلطة امتيازاً بدلاً من انحراف. المنظومة الحالية، التي تتيح ثغرات في التصريح بالممتلكات وتحمي المسؤولين من المساءلة، تكرس منطقاً غير مكتوب: “خذ ما تستطيع، ما دمت معنا”. هذا المنطق يعزز ثقافة التحايل والتواطؤ الصامت بين المسؤولين والإدارة، مما يضعف مفهوم الدولة كضامن للعدالة.القضية تكشف أيضاً عن تحديات بنيوية:
- هشاشة الرقابة الشعبية: سرية التصريحات ومنع جمعيات المجتمع المدني من التصريح العلني عن شبهات الفساد يفرغان آليات المحاسبة من مضمونها.
- تشريع الفساد: المقال يصف كيف تُستخدم القوانين للتمويه بدلاً من الامتثال، من خلال صيغ قانونية “أنيقة” مثل عقود الهبة أو نقل الأصول.
- تحول الدولة إلى راعية للامتيازات: بدلاً من حماية القانون، تصبح الدولة شريكاً في إنتاج نسخة منحرفة منه، مما ينتج طبقة هجينة تجمع بين الصفة العمومية والمنفعة الخاصة.
في الختام تسريبات “جبروت” حول الوزير عبد اللطيف وهبي ليست مجرد اتهامات بالتهرب الضريبي، بل مرآة تعكس تحديات عميقة في نظام الحكم المغربي. من الناحية القانونية، تكشف القضية عن ثغرات في نظام التصريح بالممتلكات وضعف آليات المحاسبة، بينما تبرز التداعيات السياسية أزمة ثقة بين المواطن والدولة، وتفاقم التوترات الإقليمية، وتسليط الضوء على الحاجة إلى إصلاحات جذرية.توصيات:
- تعزيز نظام التصريح بالممتلكات: يجب تعديل القانون لإلزام المسؤولين بالتصريح بالقيم المالية الدقيقة للعقارات، وتوسيع نطاق التصريح ليشمل ممتلكات الأقارب المباشرين.
- إحياء قانون الإثراء غير المشروع: إعادة طرح مشروع القانون مع ضمانات لتطبيقه بشفافية واستقلالية.
- تعزيز الأمن السيبراني: تحسين حماية قواعد البيانات الحكومية لمنع التسريبات المستقبلية.
- تمكين المجتمع المدني: السماح للجمعيات بالوصول إلى بيانات التصريحات لتعزيز الرقابة الشعبية.
- محاسبة فعلية: فتح تحقيق قضائي مستقل في قضية وهبي لتدقيق مصادر الأموال وصحة التصريحات.
إن تجاهل هذه القضية أو التستر عليها سيرسخ ثقافة الإفلات من العقاب، بينما يمكن أن تكون فرصة لإصلاحات تعيد الثقة في المؤسسات.
فالسؤال ليس فقط عن عقار أو قرض، بل عن مفهوم الدولة: هل هي ضامنة للعدالة أم راعية للامتيازات؟
ملاحظة: هذا المقال مبني على المعطيات الواردة في مقال محمد مسكين بجريدة “صوت المغرب”، مع الإشارة إلى أن التسريبات لم تُثبت رسمياً بعد، وتبقى موضوع تحقيقات.